اقتصاديات الموت.. كيف تحولت الحروب في ليبيا والسودان إلى مشاريع ربحية عابرة للحدود؟

اقتصاديات الموت.. كيف تحولت الحروب في ليبيا والسود

لم يعد المرتزق في الحروب المعاصرة مجرد مقاتل أجنبي يبحث عن أجر، بل بات الارتزاق نشاطاً مؤسسياً تديره شبكات تعاقد وتمويل، حيث تحولت الحرب نفسها إلى مجال للاستثمار، وأصبح استمرارها مصدراً للثروة لقوى تستفيد من بقائها مشتعلة.

هذا التحول هو محور دراسة أكاديمية حديثة للباحث أحمد محمد سعد أحمد، بعنوان فاعلية التطبيق الفعلي للقانون الدولي الإنساني على ظاهرة المرتزقة في صورتها المؤسسية، والتي قارنت بين نموذجي مجموعة فاغنر في ليبيا وقوات الدعم السريع في السودان، كاشفة كيف تتشابك المصالح العسكرية مع استغلال الموارد الطبيعية.

السودان: الذهب وقوداً للصراع

تضع الدراسة يدها على علاقة معقدة بين الذهب والحرب في السودان؛ حيث تحول المعدن النفيس من مورد وطني إلى أداة لتمويل القوى المتحاربة بعيداً عن موازنة الدولة. ومع فقدان الإيرادات النفطية بعد انفصال الجنوب عام 2011، توسعت عمليات التعدين التقليدي التي يصعب إخضاعها للرقابة، لتشكل نحو 83% من إجمالي إنتاج الذهب في 2024.

data-recalc-dims=1
موقع غارة جوية استهدفت منطقة للتنقيب عن الذهب بالسودان، تسلط الضوء على تحول مناطق استخراج الذهب إلى ساحات للصراع المسلح (الفرنسية)

وتشير الدراسة إلى أن السيطرة على مناطق التعدين، مثل جبل عامر ومصفاة الذهب بالخرطوم، منحت قوات الدعم السريع قدرة مالية هائلة لشراء الأسلحة وتجنيد المقاتلين، مما يجعل إنهاء الحرب تهديداً للمصالح الاقتصادية التي نشأت في ظلها.

شبكات التجنيد العابرة للقارات

تكشف الدراسة عن مسارات لوجستية معقدة لتجنيد مقاتلين أجانب، مثل الكولومبيين، ونقلهم عبر عواصم أوروبية ومراكز تجميع في الصومال أو ليبيا وصولاً إلى دارفور. هذا التعدد في الأطراف (وسطاء، شركات عسكرية، دول ممولة) يخلق ضبابية قانونية تجعل إسناد المسؤولية عن جرائم الحرب أمراً بالغ الصعوبة، خاصة مع تعثر تطبيق تعريف المرتزق التقليدي على هذه التشكيلات العصرية.

ليبيا: مركز لوجستي وتجارة سلاح

لا تنظر الدراسة إلى ليبيا كحالة معزولة، بل كمركز لوجستي يغذي النزاع السوداني. وتبرز مدينة الكفرة ومطارات مثل بنينا كنقاط ارتكاز لنقل الإمدادات والمقاتلين عبر المثلث الحدودي (ليبيا-السودان-تشاد)، مستخدمة تقنيات حديثة مثل ستارلينك لتنسيق العمليات بعيداً عن الرقابة الحكومية.

data-recalc-dims=1
نصب تذكاري بموسكو لمؤسس مجموعة فاغنر العسكرية الروسية، التي تتناول الدراسة دورها في النزاع الليبي، بوصفها نموذجا لخصخصة الحروب. (رويترز)

تحديات القانون الدولي والمساءلة

تطرح الدراسة تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن ارتكاب جرائم حرب دون تحمل مسؤوليتها؟ وتوضح أن خصخصة الحرب تتيح للدول استخدام قوى عسكرية دون الظهور كطرف مباشر، مما يعقد معايير السيطرة الفعلية التي تستند إليها المحاكم الدولية. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا يزال يواجه قيوداً في محاكمة الشركات ككيانات اعتبارية.

Fighters
مقاتلون منشقون عن قوات الدعم السريع يُعتقد أنهم يستسلمون للجيش السوداني غربي أم درمان (أسوشيتد برس)

الحلول المقترحة

تخلص الدراسة إلى ضرورة تطوير إطار دولي يتجاوز ملاحقة المقاتل الفرد، ليشمل:

  • تعديل نظام روما الأساسي ليتضمن المسؤولية الجنائية للكيانات الاعتبارية والشركات العسكرية.
  • إنشاء هيئة دولية مختصة بمراقبة العقود العسكرية وضمان شفافيتها.
  • تفكيك اقتصاد الحرب عبر تتبع شبكات تمويل الموارد الطبيعية والتهريب التي تجعل العنف خدمة مربحة.
FILE
قوات الدعم السريع تتهم بارتكاب فظائع في كردفان والفاشر (أسوشيتد برس)
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص