في عام 2022، وثق صحفيان من هيئة الإذاعة البريطانية، في تجربة ميدانية، رفض 11 مطعماً راقياً في القاهرة دخول المحجبات، مع اشتراط بعضها مراجعة حسابات الضيوف على وسائل التواصل الاجتماعي قبل قبول الحجز. هذا التمييز لم يتوقف عند أبواب المطاعم، بل امتد ليشمل العقارات في الساحل الشمالي، حيث تُوضع الطلبات بناءً على الانتماء الطبقي الذي يقرأه الحراس من اللهجة، والملبس، ونوع السيارة، والحجاب.
هذه الظاهرة، التي باتت تُعرف شعبياً باسم إيجيبت، تصف فئة من المجتمع المصري تعيش في بذخ شديد ومعزولة في فقاعات عمرانية واجتماعية، في مقابل مصر التي تعاني من تقلبات اقتصادية حادة. إيجيبت ليست مجرد طبقة مترفة، بل هي نتاج خمسة عقود من التحولات الاقتصادية التي أفرزت نمط حياة يتبنى ثقافة غربية، ويستفيد من الانفتاح الاقتصادي، وينعزل عن الأغلبية.
نشأة المصطلح وتجليات الانقسام
انتشر مصطلح إيجيبت بشكل واسع في 2024، مدفوعاً بتباين صارخ بين التضخم الذي أكل القوة الشرائية للطبقة الوسطى، وبين نمط حياة المراهقين في الكمبوندات الذي يُعرض عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا التباين جعل من إيجيبت مصطلحاً يعبر عن قلق طبقي عميق، وليس مجرد توصيف عابر للثراء.
هيكلية الفقاعات: كيف تعزل الطبقة نفسها؟
تعتمد إيجيبت على الفقاعات لضمان استمراريتها، وهي فقاعات متداخلة تتضمن:
- الفقاعة المكانية: السكن في المجمعات المسورة (الكمبوندات).
- الفقاعة المؤسسية: التعليم في المدارس الدولية والجامعات الخاصة.
- الفقاعة الرقمية: استهلاك محتوى باللغة الإنجليزية وتفضيله على العربية.
- الفقاعة العلائقية: شبكة علاقات مغلقة تعيد إنتاج الطبقة عبر الأجيال.
تستخدم هذه الطبقة ما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو الهابيتوس (Habitus)، وهو منظومة من السلوكيات والأذواق المكتسبة التي تجعل الفرد يتصرف بتلقائية داخل طبقته، مما يكرس الفجوة بينها وبين الواقع المصري العام.
الجذور التاريخية: من الاشتراكية إلى الانفتاح
بدأت بذور هذا الانقسام مع سياسات الانفتاح في السبعينيات، التي أنهت محاولات المساواة الطبقية التي سادت في الحقبة الناصرية. ومع دخول الشركات متعددة الجنسيات، برزت الحاجة لطبقة عالمية تجيد لغات السوق وتفهم آليات الغرب. تحولت هذه الطبقة تدريجياً من جسر يربط مصر بالعالم، إلى جزيرة منعزلة مع اتساع الفجوة الاقتصادية.
الفقاعة والواقع: هشاشة الانفصال
اليوم، ومع تزايد أعداد المجمعات السكنية المسورة التي تقدر بنحو 800 مجمع، أصبح الانفصال واقعاً ملموساً. الدولة نفسها انتقلت إلى فقاعتها الخاصة بإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، مما يعزز فكرة أن إيجيبت ليست استثناءً، بل نموذجاً يمتد أثره ليشمل كافة مفاصل الحياة.
رغم هذا التوسع، تظل إيجيبت كياناً هشاً يعتمد على استمرار تدفق رؤوس الأموال. إنها طبقة اشترت انفصالها بالمال، لكنها فقدت في المقابل أدوات التكيف مع الواقع الخشن. ويبقى السؤال الجوهري: هل سيستمر هذا الانقسام في التمدد ليصبح القاعدة العامة للمجتمع، أم أن تقلبات المستقبل ستجبر هذه الفقاعات على الانفتاح مجدداً على الواقع المصري؟


