الليرة السورية تحت مقصلة العجز التجاري: ضغوط هيكلية تتجاوز وعود الاستثمار

الليرة السورية تحت مقصلة العجز التجاري: ضغوط هيكلي

يواجه الاقتصاد السوري تحديات بنيوية متفاقمة، حيث عاودت الليرة السورية تراجعها أمام الدولار الأمريكي وسط تحذيرات خبراء ماليين من أن هذا الانخفاض يعكس اختلالات في ميزان المدفوعات، لا مجرد اضطرابات لحظية في السوق.

سجل سعر صرف الليرة في افتتاح تداولات الأحد انخفاضاً ليصل إلى 140.50 ليرة للمبيع و140 ليرة للشراء، مقارنة بـ 132.20 ليرة في سبتمبر الماضي، بينما يصر مصرف سوريا المركزي على تثبيت السعر الرسمي عند 122.50 ليرة للمبيع و121.50 ليرة للشراء، وهو ما يوسع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.

عجز تجاري مزمن: أزمة عرض لا أزمة وعود

يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، أن التراجع الحالي لليرة يعود إلى بنية اقتصادية هشة تفتقر إلى عرض كافٍ من النقد الأجنبي. ويوضح أن الاقتصاد السوري يعتمد بشكل مفرط على الاستيراد لتأمين الاحتياجات الأساسية، مقابل صادرات محدودة، مما يخلق طلباً مستمراً على الدولار.

من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن السوق لا يبني قراراته على إعلانات الاستثمار، بل على التدفقات النقدية الفعلية. ويشير إلى أن المشاريع العقارية الكبرى المعلنة مؤخراً، مثل مشروعي تلال دمشق واللاذقية السياحي، هي مشاريع طويلة الأجل لا تساهم في توفير سيولة دولارية فورية في السوق.

فجوة الموازنة وملاحقة الصرافة غير المرخصة

تظهر بيانات الموازنة النصفية لعام 2026 اتساع الفجوة التمويلية، حيث سجلت الإيرادات العامة 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق بلغ 3.7 مليارات دولار، مما يعمق الضغط على العملة المحلية.

وفي محاولة لضبط السوق، أعلن مصرف سوريا المركزي عن توجيه 755 إنذاراً لمنشآت تمارس الصرافة دون ترخيص. ومع ذلك، يرى خبراء أن هذه الإجراءات الرقابية لا تعالج الجوهر الاقتصادي المتمثل في غياب استقلالية المؤسسة النقدية وفقدان الثقة، مما يدفع المتعاملين نحو الدولرة الوقائية.

انعكاسات على المعيشة

يؤكد الاستشاري الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن تراجع سعر الصرف يؤدي إلى تضخم مستورد ينهش القدرة الشرائية للمواطنين، حيث تشير التقديرات إلى أن كل 15% انخفاض في قيمة الليرة يقابله ارتفاع مماثل في تكلفة سلة الغذاء. ومع استمرار الفقر المدقع الذي يطال شريحة واسعة من السوريين، تصبح الحلول المستدامة مرتبطة حصراً بتبني سياسات اقتصادية تحفز الإنتاج المحلي وتصلح البيئة المصرفية بدلاً من الاكتفاء بالتدخلات الإسعافية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص