لم تعد الظواهر المناخية في القارة الإفريقية مجرد تقلبات موسمية عابرة، بل تحولت إلى محرك رئيسي لأزمات إنسانية مستدامة، حيث يواجه ملايين السكان في مختلف أرجاء القارة تداعيات التطرف المناخي الذي يجمع بين نقيضين: فيضانات مدمرة وجفاف قاحل.
من الكوارث الموسمية إلى أزمات إنسانية مزمنة
تشير التقارير الميدانية إلى أن خطورة هذه الظواهر لا تكمن في لحظة وقوعها، بل في آثارها التراكمية؛ إذ تترك وراءها أراضٍ زراعية مجروفة، مواشي نافقة، وأسواقاً معطلة، مما يدفع الأسر نحو دوامة النزوح والفقر. وتتضاعف هذه الكلفة في ظل اعتماد أكثر من 60% من المجتمعات الإفريقية على الزراعة المطرية والرعي، مع ضعف في البنى التحتية وأنظمة الإنذار المبكر.
خريطة الاضطراب المناخي
تتنوع التحديات المناخية وفقاً للجغرافيا، حيث تشهد القارة تضارباً حاداً في الأنماط:
- غرب ووسط إفريقيا: سجلت نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية فيضانات قاتلة خلال الأشهر الماضية، تسببت في نزوح مئات الآلاف وتدمير المساكن.
- شرق إفريقيا (الصومال، كينيا، إثيوبيا): تحذيرات متصاعدة من فيضانات محتملة خلال موسم الأمطار (أكتوبر - ديسمبر)، وسط توقعات بهطول كميات تفوق المعدلات الطبيعية.
- جنوب إفريقيا: تلوح في الأفق مخاوف من موسم زراعي جاف يهدد إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الذرة في دول زيمبابوي وموزمبيق وملاوي.
- مناطق الساحل (تشاد، النيجر، مالي): عانت هذه الدول من عجز مطري تجاوز 40% عن المتوسط، مما أثر بشكل مباشر على المراعي والأمن الغذائي.
أزمة الأمن الغذائي: أرقام مفزعة
وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، تسببت الاضطرابات المناخية في تراجع المحاصيل بنحو 40%، مما أدى إلى مستويات خطيرة من الجوع:
- السودان: يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
- الصومال: توقعات بأن يواجه 5.4 مليون شخص مستويات أزمة غذائية حادة.
- نيجيريا: تشير التقارير إلى احتمال مواجهة 34.8 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
- جمهورية الكونغو الديمقراطية: أكثر من 26.5 مليون شخص يعانون من صعوبات حادة في تلبية احتياجاتهم الغذائية.
دعوات للتحول نحو التكيف البيئي
وفي هذا السياق، يؤكد مستشار أنظمة البيئة العالمية، طلعت دفع الله، أن التطرف المناخي في إفريقيا هو نتاج تداخل الخطر المناخي مع الهشاشة الاقتصادية والمؤسسية. ويرى تامي كوكي، رئيس وحدة البيئة بمركز البيئة والتنمية في نيجيريا، أن الأنشطة البشرية مثل استخراج النفط وإزالة الغابات فاقمت من التدهور البيئي.
ويشدد الخبراء على ضرورة الانتقال من التشريعات المجزأة إلى تبني نهج تكيف بيئي شامل يعتمد على التنوع البيولوجي والنظم الطبيعية، كحل استراتيجي لمواجهة الصدمات المناخية المتلاحقة وضمان بقاء المجتمعات الأكثر تضرراً.


