ماذا لو أن كل ما فعلته في حياتك، وكل ما ستفعله، قد حدث من قبل؟ ماذا لو كنت نسخة من عدد لا نهائي من النسخ التي تكرر كل شيء بحذافيره؟ يطرح عالم الفيزياء شون كارول فرضية كونية مثيرة، تستند إلى ميكانيكا الكم وفضاء هيلبرت، لتقترح أن الوجود عبارة عن دورات مغلقة تعيد فيها الأحداث الكونية نسج نفسها كنسخة طبق الأصل، كالأفعى الأسطورية التي تبتلع ذيلها.
مأزق أدمغة بولتزمان
جاءت هذه الفكرة لحل مفارقة أدمغة بولتزمان؛ وهي فرضية تشير إلى أنه في كون يتوسع بلا توقف، ستنتج حركة الذرات عقولاً واعية سابحة في الفضاء تحمل ذكريات وهمية. ولتجنب هذا المأزق، يفترض النموذج أن الكون يسلك مساراً كمومياً مضبوطاً يمنع ظهور تلك الأدمغة، ويجبر النظام المغلق على العودة لنقطة بدايته.
في هذا النموذج، لا ينتهي الكون بفراغ ميت، بل يعكس حركته كشريط فيديو يُعرض إلى الوراء؛ حيث تتضاغط الفوتونات وتتحول الثقوب السوداء إلى ثقوب بيضاء تلفظ المادة، وصولاً إلى انسحاق عظيم يرتد ليفجر ولادة كونية جديدة تعيد كتابة التاريخ بالتفصيل.
حوار مع شون كارول: ميكانيكا الكم كبوصلة
يوضح شون كارول، عالم الكونيات في جامعة جونز هوبكنز، أنه اختار الانطلاق من ميكانيكا الكم بدلاً من النسبية العامة، لأن الكم يمثل الرؤية الجوهرية للواقع. يقول كارول: انغمس تفكيري في كيفية اللجوء لميكانيكا الكم باعتبارها بوصلتي الأولى لاستنتاج كيف ينبثق العالم المرصود منها.
يفترض شون كارول أن الكون يستمر في الاتساع ثم ينكمش قبل أن يبدأ دورة جديدة
فضاء هيلبرت وتكرار بوانكاريه
يشرح كارول أن فضاء هيلبرت يضم جميع الاحتمالات الكمومية. وفي حال كان هذا الفضاء محدود الأبعاد، تفرض نظرية تكرار بوانكاريه أن النظام سيعود حتماً إلى نقطة قريبة جداً من بدايته بعد انقضاء وقت كافٍ. هذا يعني أن التاريخ الكوني ليس حدثاً فريداً، بل سلسلة من التكرارات الدقيقة.
الزمن والإنتروبي
يضيف كارول أن سر اتجاه الزمن يكمن في الإنتروبي (العشوائية). ففي بداية الكون، كان النظام في حالة إنتروبي منخفضة جداً، ومع مرور الوقت تزداد العشوائية. ورغم أن هذا النموذج لا يحل لغز سبب انخفاض الإنتروبي في البداية، إلا أنه يفتح آفاقاً لفهم الجاذبية الكمومية.
يختتم كارول حديثه بالقول: يمكنك تأمل هذا النموذج باعتباره كونا دورياً يعيد فيه التاريخ نفسه، أو كونا واحداً يلتهم ذيله. غايتنا هي فهم الجاذبية الكمومية، والبيانات التجريبية هي ما نحتاجه مستقبلاً لتأكيد هذه الفرضيات.


