لم تعد جدران المدن الأردنية مجرد كتل أسمنتية أو حجرية تفصل بين الشوارع والمباني، بل تحوّل بعضها خلال السنوات الأخيرة إلى صفحات مفتوحة تروي حكايات المكان والإنسان، وتستعيد محطات من التاريخ والتراث والهوية الوطنية. من صور مقاتلي الجيش الأردني إلى ملامح لاعبي المنتخب الوطني، مروراً بالقلاع والقصور الصحراوية، باتت الجداريات أداة فنية تكتب السردية الأردنية بالألوان.
في العاصمة عمّان، أصبحت الجداريات جزءاً من المشهد البصري، خاصة في وسط البلد وجبل اللويبدة، حيث كسرت ألوانها نمط العمارة الحجرية، وقدمت للمارة أعمالاً فنية لا تحتاج إلى تذكرة دخول أو زيارة صالة عرض. وفي محافظة الزرقاء، اتخذ هذا الفن منحىً توثيقياً جعل من الفضاء العام معرضاً دائماً للذاكرة الوطنية.
معرض لا يغلق أبوابه
يؤكد أمين الدومي، رئيس جمعية الفن التشكيلي ومدرس فنون، أن فكرة الجداريات تبلورت كبديل حيوي بعد جائحة كورونا، حين أصبح الوصول للجمهور عبر قاعات العرض التقليدية أمراً صعباً. ويشير الدومي إلى أن الجدارية تحولت إلى معرض دائم يتيح للفنانين مشاركة موضوعات وطنية، مثل تضحيات الجيش العربي، والترابط الأردني الفلسطيني، والتراث الشعبي، مباشرة مع العابرين في الشوارع.

من شهداء القدس إلى النشامى
تتنوع المواضيع المرسومة على الجدران؛ فمن جداريات تخلّد صمود مقاتلي الجيش الأردني على أسوار القدس، إلى جدارية النشامى التي نُفذت على مساحة تقارب 800 متر مربع دعماً للمنتخب الأردني في رحلة الوصول إلى نهائيات كأس العالم 2026. وقد نُفذت هذه الأعمال في مواقع حيوية مثل مدينة الشرق وأوتوستراد الزرقاء-عمان.

تقنيات الرسم والتحديات
خلف كل جدارية عمل فني وتقني مكثف قد يستمر لأسابيع؛ حيث يستخدم الفنانون تقنيات الرش الهوائي وألوان الأكريليك، مع إضافة طبقات حماية (تشميع) لمقاومة العوامل الجوية. ويشير محمد الزعبي، مدير مديرية ثقافة الزرقاء، إلى أن هذه الأعمال تمثل حلقة تواصل بين الفنان والمجتمع، وتساهم في تعزيز الهوية والانتماء، رغم التحديات اللوجستية وتكاليف التنفيذ.


إن التجربة الأردنية في فن الجداريات تتجاوز البعد التجميلي؛ فهي محاولة لجعل المدينة حاملة لذاكرتها الجماعية، حيث تتحول الجدران إلى رواةٍ لحكاية وطن يقرأها الناس في طريقهم اليومي.


