أبو الريحان البيروني: رائد علم الاجتماع الفهمي قبل ماكس فيبر بقرون

أبو الريحان البيروني: رائد علم الاجتماع الفهمي ق

إعادة اكتشاف إرث البيروني في سياق الفكر الاجتماعي

بينما تتفتح أوزبكستان اليوم كوجهة حضارية عالمية تستقطب الزوار إلى سمرقند وبخاري وخيوة، يبرز تساؤل جوهري حول الكيفية التي نروي بها تاريخ الفكر العالمي. ففي قلب هذه الجغرافيا التاريخية، عاش علماء غيروا وجه المعرفة، وعلى رأسهم أبو الريحان البيروني، الذي يستحق اليوم موقعاً أكثر مركزية في تاريخ الفكر الاجتماعي، ليس فقط كعالم فلك ورياضيات، بل كمنهجيٍّ فذ في دراسة المجتمعات البشرية.

منهج البيروني: تحقيق ما للهند كنموذج ريادي

يعد كتاب البيروني الشهير تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة وثيقة معرفية تتجاوز حدود الجغرافيا. لقد وضع البيروني منهجاً علمياً يقوم على التحرر من الأحكام المسبقة؛ حيث تعلم اللغة السنسكريتية ليتمكن من مخاطبة علماء الهند وقراءة نصوصهم بلغتهم الأصلية، بدلاً من الاكتفاء برؤية الآخر من خلال عدساتنا الخاصة.

إن كتابه الشهير تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، يتجاوز كونه كتابا يقدم معلومات عن الهند؛ فهو بحث يواجه صعوبات التعرف إلى عالم آخر. وبدلا من دخول هذا العالم بأحكام جاهزة، تعلم البيروني السنسكريتية، وتحدث إلى علماء الهند، وقرأ نصوصهم.

البيروني وماكس فيبر: تقارب في المنهج الفهمي

عند مقارنة منهج البيروني بما طرحه ماكس فيبر في علم الاجتماع الفهمي (Verstehende Soziologie)، نجد تقارباً مذهلاً في الرؤية. فقد نبّه فيبر إلى ضرورة فهم نية الفاعل وقصده من الفعل قبل تقديم تفسيرات جاهزة، وهو بالضبط ما مارسه البيروني قبل ألف عام.

حين نفكر في علم الاجتماع الفهمي عند ماكس فيبر، يصبح موقف البيروني هذا أكثر إثارة للاهتمام. فقد نبّه فيبر التقليد السوسيولوجي إلى ضرورة فهم نية الفاعل وقصده من فعله، قبل تقديم تفسيرات للفعل الاجتماعي تتوافق مع النظريات أو المفاهيم والتنميطات الجاهزة في أذهاننا.

ما وراء الفتح: أخلاقيات الباحث

تميز البيروني بقدرته على الفصل بين إيمانه الشخصي ومسؤوليته العلمية في النقل الدقيق لمعتقدات الآخرين. فحتى في ظل سياقات الفتوحات والحراك السياسي في عهد محمود الغزنوي، أدرك البيروني أن التفوق العسكري لا يمنح معرفة حقيقية بالمجتمعات. لقد اختار أن يجلس تلميذاً أمام الآخر ليفهم منطقه الداخلي، مؤكداً أن الفهم لا يعني بالضرورة الموافقة، لكن النقد السليم لا يستقيم دون فهم عميق.

ما يلفت انتباهنا في مسعى البيروني هو إرادته في ألا يصدر حكما قبل فهم هذا المعنى. إنه مسلم، ولا يتخلى عن إيمانه حين يدرس معتقدا آخر. لكنه يسعى إلى ألا يخلط بين إيمانه ومسؤوليته عن النقل الدقيق لما يؤمن به الآخر.

تجاوز ثنائية العلوم الطبيعية والإنسانية

في أعمال البيروني، لا توجد تلك الفجوة الحادة التي نضعها اليوم بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. فالعقل الذي كان يقيس السماء ويرصد النجوم، هو ذاته العقل الذي كان يحلل الأعياد والعادات الاجتماعية، منطلقاً من رؤية شمولية ترى أن حساب الزمن والمعنى الاجتماعي للزمن هما وجهان لعملة واحدة. إن إرث البيروني يدعونا اليوم إلى إعادة النظر في كيفية قراءتنا للتاريخ، وإفساح مكانة تليق به كأحد أعمدة الفكر الإنساني إلى جانب ابن خلدون.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص