في أقصى شرق روسيا، تقع مدينة بيروبيجان، التي لا تعد مجرد مركز إداري عادي، بل هي شاهد حي على مشروع سياسي واجتماعي طموح أطلقه الاتحاد السوفياتي في عشرينيات القرن العشرين. كان الهدف من هذا المشروع إقامة إقليم قومي لليهود داخل المنظومة الاشتراكية، يعتمد على الاستيطان الزراعي والصناعي، ليكون بديلاً عن الهوية الدينية التقليدية والحركات القومية الأخرى.
الموقع والأهمية الاستراتيجية
تكتسب بيروبيجان أهميتها الجغرافية من وقوعها ضمن منطقة الشرق الأقصى الروسي، بالقرب من الحدود مع الصين، وتحديداً إلى الشمال من منطقة منشوريا التاريخية. وتعد المدينة ملتقى حيوياً عند نهري بيرا وبيدجان، كما ترتبط بشريان النقل الأهم في روسيا؛ خط السكك الحديدية العابر لسيبيريا، الذي يربط شرق البلاد بغربها. وتبعد المدينة عن خاباروفسك نحو 190 كيلومتراً، بينما تفصلها مسافة شاسعة تصل إلى 8200 كيلومتر عن العاصمة موسكو.
بدايات المشروع.. من القرم إلى الشرق الأقصى
نشأت فكرة المقاطعة في سياق السياسة القومية للاتحاد السوفياتي، حيث رأى النظام السوفياتي أن القومية تُبنى على اللغة والإقليم. كانت الييديشية هي اللغة المركزية التي أرادت السلطات تعزيزها كبديل للهوية اليهودية التقليدية. وبعد محاولات أولية للاستيطان في شبه جزيرة القرم عام 1926، اتجهت الأنظار نحو بيروبيجان كبديل استراتيجي لتنمية منطقة نائية غنية بالموارد الطبيعية كالذهب والأخشاب والمعادن.
مراحل التأسيس والتحول إلى إقليم ذاتي الحكم
في 28 مارس/آذار 1928، بدأت اللجنة التنفيذية المركزية السوفياتية بتخصيص الأراضي للاستيطان، وأسندت المهمة لهيئة كومزيت. واجه المستوطنون الأوائل ظروفاً مناخية قاسية وفيضانات، لكن السلطات استمرت في دفع عجلة الهجرة. وفي 7 مايو/أيار 1934، اكتسب المشروع طابعه القانوني الرسمي بإعلانها المقاطعة اليهودية ذاتية الحكم.
الذروة الديموغرافية وما بعد الاتحاد السوفياتي
شهدت المقاطعة ذروتها السكانية في أواخر أربعينيات القرن العشرين، حين وصل عدد اليهود فيها إلى قرابة 50 ألف نسمة. ومع ذلك، لم يستمر هذا الوجود بنفس الزخم؛ حيث تراجع تدريجياً نتيجة ظروف الحياة والتحولات السياسية.
بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، تغير المشهد الديموغرافي للمدينة بشكل جذري؛ إذ أدى انفتاح الحدود إلى موجات هجرة واسعة للسكان اليهود نحو إسرائيل والولايات المتحدة، مما قلص الوجود اليهودي في المنطقة التي صُممت أصلاً لتكون موطناً قومياً لهم.


