تاريخ ملهم في سطور
تُعد قصيدة البردة أشهر نص في مدح النبي محمد، وهي ليست مجرد قصيدة، بل أيقونة ثقافية وروحية تجاوزت حدود الزمان والمكان. يعود أصل مسمّاها إلى قصة تعود لأكثر من ألف عام، بطلها الشاعر الجاهلي كعب بن زهير، الذي نال عفو النبي محمد بعد أن أنشد بين يديه قصيدته الشهيرة، فخلع عليه النبي بُردته (عباءته) لتصبح رمزاً للمديح النبوي.
البوصيري والبردة الثانية
بعد ستة قرون من كعب بن زهير، ولدت البردة الثانية على يد الإمام محمد بن سعيد البوصيري، المولود في بني سويف بمصر. تقول الروايات التراثية إن البوصيري أصيب بالفالج (الشلل السفلي)، فنظم قصيدته التي تبلغ 160 بيتاً توسلاً إلى الله بجاه النبي، ثم رأى النبي في منامه فمسح على جسده فبرئ من سقمه، ومن هنا سميت أيضاً البُرأة.
لعبة التخميس والتسبيع
دخل شعراء المسلمين في لعبة شعرية مع قصيدة البوصيري، حيث عمدوا إلى التخميس (إضافة ثلاثة أشطر لكل بيت من البردة) أو التسبيع، لإظهار براعتهم الأدبية ومحبة النبي. ومن أبرز من خاض هذا المضمار الأديبة المتصوفة عائشة الباعونية، التي نظمت تخميستين تعدان من روائع التراث الشعري.
المعارضات الشعرية: من البارودي إلى البرغوثي
في العصر الحديث، استمر الشعراء في معارضة القصيدة، ومن أبرزهم وزير الحربية المصري محمود سامي البارودي الذي كتب قصيدة كشف الغُمّة في 447 بيتاً، وأحمد شوقي الذي قدم نهج البردة والتي غنتها أم كلثوم. كما قدم الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي قصيدة على الوزن ذاته، معتبراً المعارضة تحية من اللاحق للسابق.
البردة في العصر الرقمي
لم تتوقف البردة عند حدود الورق، بل انتقلت إلى عالم التلحين المعاصر. فقد قدم الموسيقار الدكتور ممدوح الجبالي عملاً استثنائياً استغرق عاماً كاملاً لتلحين أبيات القصيدة الـ 160، ليخرج بعمل غنائي يمتد لساعة ونصف، بمشاركة أصوات عربية، في محاولة لتقديم التراث بصيغة تناسب العصر.
تظل البردة شاهدة على عبقرية اللغة العربية، وقدرة القصيدة الواحدة على أن تصبح جسراً يربط القلوب عبر الثقافات واللغات، مؤكدة أن محبة النبي محمد في الوجدان العربي هي تيارٌ لا ينقطع ولا تذروه رياح الزمن.


