في أعلى ربوة تطل على البحر المتوسط، تتجلى سيدي بوسعيد التونسية كلوحة فنية تتماهى فيها زرقة السماء مع بياض الجدران، لتشكل امتداداً طبيعياً للبحر. هذه القرية التي تختزل في أزقتها الضيقة ملامح الفن والروحانية، نالت مؤخراً اعترافاً دولياً باستحقاقها الإدراج على قائمة التراث العالمي.
جاء هذا الإدراج في يوليو/تموز 2026، لتصبح سيدي بوسعيد الموقع العاشر في تونس ضمن القائمة الدولية، والتاسع من حيث المواقع الثقافية الوطنية، وهو تتويج لقيمة معمارية وتاريخية حافظت عليها القرية لعقود.
خصوصية معمارية فريدة
يؤكد طارق البكوش، المدير العام للمعهد الوطني للتراث، أن اختيار سيدي بوسعيد لم يأتِ من فراغ، بل بناءً على ملف تقني دقيق يبرز خصائصها الاستثنائية. ويوضح البكوش أن القيمة الجمالية للمكان تتجاوز المظهر العام، لتصل إلى تراكم تاريخي وخصوصية معمارية تجعل منها نموذجاً لا يتكرر، حتى عند مقارنتها بقرى عالمية شهيرة أخرى.
نبض الحياة في الأزقة
لا تقتصر هوية القرية على هندستها المعمارية، بل تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية؛ من رائحة مشموم الفل والياسمين، إلى أصوات الباعة في المحال القديمة، ونغمات موسيقى المالوف التي تتردد في الأرجاء. ويصف الزوار القرية بأنها محطة لا يمكن تجاوزها، حيث تمتزج الحداثة بعبق التاريخ في مشهد يذكر بجماليات الأحياء القديمة.
الروحانية والذاكرة الشعبية
نشأت سيدي بوسعيد حول ضريح الولي الصالح سيدي أبي سعيد الباجي، مما أضفى طابعاً روحانياً صوفياً على نسيجها الاجتماعي. ويرى سكانها، مثل التاجر فاضل أبو سيود، أن القرية تمثل فسيفساء مصغرة لتونس؛ حيث تتجاور فيها عناصر البحر والجبل والألوان الزاهية مع مشاهد قرطاج، مما يجعلها صورة مكثفة لهوية البلاد.
ومع هذا الاعتراف الدولي، تتوجه الأنظار نحو مسؤولية تونس في صون هذا الموروث وضمان استدامته، بما يحفظ ذاكرة المكان للأجيال القادمة كجوهرة ثقافية عالمية.


