في قلب جبال هندوكوش الوعرة بأفغانستان، تقف مديرية ماندول شاهدة على تحولات عميقة تهدد هويتها الثقافية. هذه المنطقة التي ظلت لقرون بمعزل عن مسارات العالم، تعيش اليوم تحدياً وجودياً بين التمسك بإرث الأجداد والانفتاح على الحداثة المتسارعة.
يقطن ماندول نحو 24 ألف نسمة، يتوزعون على 11 قرية نائية. وقد شكلت طبيعتها الجغرافية الصعبة درعاً حمت لغاتها وعمارتها التقليدية من التأثيرات الخارجية، حيث لا تزال المجالس الخشبية تعبق بحكايات الأسلاف، بينما تطل المنازل المتدرجة على السفوح كأنها جزء من التكوين الصخري للمكان.
عزلة حصينة ولغات مهددة
تعد ماندول المعقل الأبرز للغة كاتا-فاري، وهي لغة يتحدث بها ما بين 40 إلى 60 ألف شخص. ويرى الباحث الثقافي عبد الودود نورستاني أن تراجع هذه اللغة لا يمثل فقدان وسيلة تواصل فحسب، بل محواً لجزء من الذاكرة الاجتماعية، مؤكداً أن اللغة تكتسب حياتها من تداولها اليومي بين الأطفال في المنازل، وليس في المخطوطات أو ذكريات الشيوخ.
المجالس: الذاكرة التي لم تُطبع
يستحضر الحاج عبد الرحمن نورستاني (72 عاماً) زمن ما قبل التكنولوجيا، حيث كانت المجالس العائلية هي الشاشة الوحيدة التي تُنقل عبرها قيم الشجاعة والكرم وأسرار الزراعة والصيد. ومع انتشار الهواتف الذكية وتغير نمط الحياة، باتت هذه المجالس تواجه فراغاً متزايداً، مما يثير مخاوف حقيقية من انقطاع حلقة الوصل الثقافية بين الأجيال.
هندسة تتحدى الطبيعة
لا تتوقف الهوية عند اللغة، بل تمتد إلى العمارة التي توصف بـ فقه الخشب. يوضح النجار محمد يونس أن البناء في ماندول ليس مجرد مأوى، بل هو علم متوارث يراعي اتجاهات الرياح وتضاريس الجبل. ورغم دخول مواد البناء الحديثة كالأسمنت، لا يزال السكان يعتزون بطرق البناء التقليدية التي أثبتت كفاءتها في التكيف مع قسوة الطبيعة.
رهان الشباب على الرقمية
في المقابل، يتبنى جيل الشباب نظرة مغايرة، حيث يسعى شمس الرحمن خليل وزملاؤه لاستغلال الهواتف الذكية كأداة لتوثيق التراث بدلاً من أن تكون سبباً في اندثاره. لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى أرشيف رقمي للأغاني والحكايات الشعبية، في محاولة لدمج الحداثة في أودية ماندول دون التضحية بالذاكرة الجبلية العريقة.


