تواجه موريتانيا تحديات متزايدة في الحفاظ على تراثها المخطوط، في ظل تعرض عدد من المكتبات الأهلية والخزائن التراثية لعوامل المناخ وتضرر مبانيها، مما دفع المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة إلى تكثيف جهوده لرقمنة هذه المخطوطات وإتاحتها للباحثين لضمان حمايتها من التلف والضياع.
تضم المكتبات الأهلية في موريتانيا آلاف المخطوطات التي تمثل رصيداً معرفياً متنوعاً في علوم الشريعة، اللغة، الطب، الفلك، والحساب. إلا أن جزءاً كبيراً منها لا يزال محفوظاً في مكتبات تقليدية تفتقر للإمكانات اللازمة لمواجهة تأثيرات التقادم والعوامل الجوية. وعلى سبيل المثال، تضم مكتبة أهل أحمد الشريف بمدينة شنقيط أكثر من 1300 مخطوط، وقد أشار محافظها مولاي أحمد ولد الحسن إلى تعرضها لأضرار مناخية جسيمة، مما دفع القائمين عليها لنقلها إلى العاصمة نواكشوط حفاظاً على ما تبقى منها.
40 ألف مخطوط في قبضة الرقمنة
تشير بيانات المعهد الموريتاني للبحث والتكوين في مجال التراث والثقافة إلى وجود نحو 40 ألف مخطوطة موزعة بين 675 مكتبة أهلية. وأوضح المدير العام للمعهد، محمد محمود جلال الطلبة، أن المعهد يحتفظ فعلياً بـ 5481 مخطوطاً أصلياً، مؤكداً أن الرقمنة تعد إنشاء نسخة ثانية من الذاكرة المخطوطة لتقليل الحاجة إلى تداول الأصول وحمايتها من التلف.
جدير بالذكر أن المعهد يمتلك خبرة ممتدة في هذا المجال بدأت منذ عام 1979 بالتعاون مع جامعة توبنغن الألمانية، حيث تم توثيق آلاف المخطوطات بتقنيات الميكروفيلم والميكروفيش، وهي تجربة شكلت حجر الأساس للمشاريع الحالية التي تهدف لحماية التراث من الفقدان.
آليات الحفظ الرقمي
تعتمد عملية الرقمنة على إعداد بطاقة تعريفية دقيقة لكل مخطوط، تليها عملية التصوير الرقمي، حيث يتم تخصيص ملف خاص بكل مكتبة لضمان أرشفة منظمة. وتتفاوت التحديات التقنية بحسب حجم المخطوط، إذ قد يصل بعضها إلى 1500 صفحة، بينما يكتفي بعضها الآخر بورقة أو ورقتين.
وفي سياق متصل، أكد محمد ولد الشيخ العابدين، أمين مكتبة سيدي عابدين الكنتي، أن الرقمنة ليست مجرد وسيلة تقنية، بل هي واجب وطني لحماية أمانة ووديعة من ذاكرة الشعب الموريتاني، مشيراً إلى أن المكتبة قطعت شوطاً كبيراً في فهرسة ورقمنة مجموعتها لضمان وصولها للأجيال القادمة.


