تظل الثورات في تاريخ المجتمعات لحظات كاشفة أكثر منها لحظات حاسمة؛ فهي تفتح الأسئلة الكبرى بقدر ما تعلن التحولات، وتكشف عمق ما أنجزه المجتمع أو ما عجز عن إنجازه عبر مساره التاريخي الطويل. إن الثورة لا تُختزل في سقوط نظام أو إعادة ترتيب موازين السلطة، بل تضع المجتمع أمام امتحان أعمق: هل يمتلك الشروط الثقافية والاجتماعية القادرة على تحويل لحظة الانفجار السياسي إلى تحول تاريخي مستقر؟
في كتابه الانتقال المجتمعي المعطّل: قراءة في نواظم الاجتماع السياسي المتلفة، ينقل الباحث التونسي المولدي القسومي النقاش حول الثورة التونسية من مستوى الحدث السياسي المباشر إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية المجتمع ذاته، باحثاً في أسباب اتساع المسافة بين سرعة التحول السياسي وبطء التحول الاجتماعي.
من الانتقال السياسي إلى الانتقال المجتمعي
يرى القسومي أن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات دستورية أو صناديق اقتراع، بل هي مسار يتطلب بيئة اجتماعية حاضنة قادرة على حمل قيم المواطنة وتجسيدها في الحياة اليومية. ويشير الكتاب إلى أن التركيز المفرط على صراعات النخب والأحزاب أدى إلى إغفال البنية التحتية للمجتمع، حيث يعيد المؤلف ترتيب الأسئلة حول التجربة التونسية ليركز على العلاقة بين الفرد والدولة وبين المواطن والسلطة.
خريطة لأعطاب الاجتماع السياسي
يحلل الكتاب عبر فصوله الستة نواظم الاجتماع السياسي المتلفة، حيث يربط بين الدولة والمجتمع والنخب والجامعة والأحزاب، معتبراً إياها حلقات في شبكة واحدة أدى اختلالها إلى ضعف القدرة على استثمار اللحظة التاريخية للثورة. ويتناول المؤلف عدة محاور حيوية:
- الحداثة والمدنية: تحليل الفجوة بين المؤسسات الحديثة والبنى الاجتماعية التقليدية.
- النخب والمثقف: أزمة الوسائط بين المجتمع والدولة ودور المثقف العضوي في تشكيل الوعي.
- الشعبوية: قراءة في صعود الظاهرة كمرآة لأزمة الثقة في المؤسسات التقليدية والأحزاب.
الثورة.. حدث ينتهي أم مسار يبدأ؟
يخلص القسومي إلى أن الثورة لا تنتهي بسقوط النظام، بل تبدأ بعدها حياة أكثر تعقيداً تتعلق ببناء المؤسسات والثقافة والمواطنة. إن الكتاب لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يفتح أفقاً للتفكير في تونس ما بعد 2011، محفزاً القارئ على الغوص في الأسئلة المحرجة التي يطرحها الواقع الاجتماعي على طموحات التغيير السياسي.


