يبرز تناقض صارخ في صميم الاقتصاد العالمي؛ إذ لم تعد الولايات المتحدة الدولة الصناعية المهيمنة في العالم بعد أن تفوقت عليها الصين، ومع ذلك، لا يزال الدولار يمثل العملة الدولية الأهم على الإطلاق.
تستحوذ الولايات المتحدة حاليا على نحو 16% من الناتج الصناعي العالمي، في حين تقترب حصة الصين من 30%. ورغم ذلك، ما زال الدولار يشكل قرابة 60% من احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، مهيمنا على المدفوعات الدولية ومستخدما على نطاق واسع في تسعير التجارة حتى في غياب أي تدخل لشركات أمريكية.
عملة تجاوزت آفاق العالم الذي صنعها
في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان من السهل تفسير قوة الدولار؛ فقد أنتجت الولايات المتحدة حينها ما يقرب من نصف الناتج الصناعي العالمي، وامتلكت قوة تكنولوجية وعسكرية ساحقة. ورغم تخلي واشنطن عام 1971 عن قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، إلا أن مكانة العملة لم تضعف، بل تحولت إلى ركيزة للنظام المالي العالمي.
ومع تآكل التفوق الإنتاجي الأمريكي، استندت قوة الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى أساس مختلف: ألا وهو دور الدولار الذي لا غنى عنه في التمويل العالمي، حيث ربطت أسواق الأوفشور والتحرير المالي الخدمات المصرفية العالمية بالدولار بشكل أعمق.
لماذا لا يزال الجميع بحاجة إلى الدولار؟
لا تقتصر أهمية الدولار على احتياطيات البنوك المركزية، بل تمتد لتسعير السلع، وتسوية المعاملات العابرة للحدود، واقتراض الحكومات. وتعد السندات الحكومية الأمريكية شكل السيولة الأكثر موثوقية في العالم، مما يخلق حالة ذاتية التعزيز تجعل الجميع مضطراً لاستخدامه.
الدول التي تحظى بامتياز الوصول إلى الدولار تعد أيضا من بين أقرب شركاء أمريكا على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، إذ تتداخل خريطة السيولة الدولارية مع خريطة القوة الجيوسياسية الأمريكية بشكل ملحوظ.
ويتضح الفارق الحاسم في أوقات الأزمات؛ حيث يمتلك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي القدرة الوحيدة على خلق السيولة الدولارية بلا حدود، وهو ما ظهر جلياً خلال أزمات 2008 وجائحة كورونا، عبر خطوط المبادلة التي مُنحت لدول مختارة، مما يكرس هيكلية هرمية للنظام النقدي الدولي تتربع الولايات المتحدة في مركزه.
مفارقة القوة الأمريكية
لا يعني غياب التفوق الإنتاجي أن هيمنة الدولار ستستمر للأبد. فالدول النامية بدأت تعاني من تكاليف حقيقية جراء الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة بالدولار كنوع من التأمين، خاصة بعد أن أثبت تجميد الاحتياطيات السيادية لبعض الدول أن الوصول إلى نظام الدولار قد يتحول إلى أداة للإكراه الجيوسياسي.
تمتلك الصين القوة الإنتاجية لتحدي الولايات المتحدة ولكنها تفتقر إلى عملة قادرة على الحلول محل الدولار، وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بالعملة المهيمنة عالميا، غير أنها لم تعد تمتلك التفوق الإنتاجي الذي بنيت عليه تلك الهيمنة.
إن الاقتصاد العالمي اليوم لا يشهد انتقالاً بسيطاً للقوة، فالنظام القديم آخذ في الضعف دون أن يحل محله نظام جديد بالكامل. وبينما لا يقف الدولار على شفا الاختفاء، إلا أنه لم يعد آمناً بالقدر الذي توحي به هيمنته الحالية، مما يجعل مرونته مصدراً للقوة ومصدراً لعدم الاستقرار في آن واحد.


