تعرضت الأوقاف في سوريا على مدى عقود لمسار طويل من التعديات والاستباحة، شملت هدم معالم تاريخية وتجريف أصول وعقارات، وصولاً إلى إخضاع جانب واسع منها لشبكات نفوذ ارتبطت بنظام الأسد، قبل أن تبدأ الحكومة السورية الجديدة إجراءات التدقيق والتقييم لاستعادة مئات العقارات وإعادة تنظيم عوائدها.
حقبة حافظ الأسد.. هدم وتغيير الهوية
شهدت العقود الأولى من حكم حزب البعث ثم سلطة حافظ الأسد تعديات صريحة على أموال الأوقاف، حيث جرى استبدال وظائف العقارات الوقفية وتعديل عقود الملكية لصالح مؤسسات الدولة ومراكز الحزب والمتنفذين، ضمن ممارسات وُصفت بالمهينة تحت شعارات أيديولوجية.
مجمع يلبغا.. شاهد على عقود من الفساد
يُعد مجمع يلبغا وسط دمشق نموذجاً صارخاً لاستباحة الأوقاف، حيث شُطب الجامع المملوكي من سجلات الآثار عام 1967، لتهدمه الجرافات لاحقاً بحجة التحديث. وأُسند المشروع لمؤسسة الإسكان العسكرية، ليدخل في دوامة فساد وتوقف لأكثر من أربعة عقود.
كشفت التحقيقات عن تداخل القصر الرئاسي في صفقات استثمار المجمع؛ حيث تم إلغاء عقد لشركة سعودية لصالح عرض إماراتي، قبل أن يتدخل رامي مخلوف لفرض ضغوط وابتزاز، مما أدى في نهاية المطاف إلى إقالة وزير الأوقاف آنذاك زياد الدين الأيوبي عام 2007 بتهم سياسية، وتغيير مسار العقود فور تولي الوزير الجديد مهامه.
تفتيت الأصول الوقفية لصالح الواجهات الاقتصادية
لم يقتصر الفساد على مجمع يلبغا؛ إذ نُقل حق التصرف بأرض معرض دمشق الدولي من وزارة الأوقاف إلى محافظة دمشق لتُمنح لشركة مرتبطة بأسماء الأسد، بالإضافة إلى إخضاع أجزاء من التكية السليمانية لمشروعات تجارية أدارتها الأمانة السورية للتنمية.
وفي محافظة الرقة، جرت إعادة توظيف مقبرة ووقف أويس القرني عام 1988 بطلب إيراني، ليتم مسح المقبرة بالكامل عام 2004 وتحويلها إلى مزار شيعي. وبسبب سياسات التأجير بأسعار رمزية، لم تتجاوز إيرادات الأوقاف السنوية مليون دولار رغم أنها تضم نحو 33,700 عقار و170 ألف دونم من الأراضي.
إجراءات الاسترداد بعد سقوط النظام
أظهرت عمليات المراجعة الأخيرة وجود مئات العقارات المؤجرة بأسعار صورية لا تتجاوز نصف دولار شهرياً، واكتشاف أكثر من 600 عقار غير موثق، و546 عقاراً تشغلها مؤسسات حكومية ببدلات زهيدة.
بدأت وزارة الأوقاف إجراءات متسارعة لاستعادة الأصول وإعادة تقييم العقود، حيث قفز العائد الاستثماري لبعض أجزاء مجمع يلبغا من 70 ألف دولار إلى 950 ألف دولار سنوياً، مع استمرار ملاحقة العقارات المنهوبة في حلب وإدلب وبقية المحافظات.


