في شوارع العاصمة الإيرانية طهران، وتحديداً في شارع ولي عصر الشهير، يجسد برمان (32 عاماً) مأساة جيل كامل؛ فهو يحمل شهادة الماجستير في الهندسة الصناعية، لكنه يقضي يومه خلف مقود سيارة أجرة عبر تطبيقات النقل الذكي. يقول برمان: استثمرت سنوات من عمري في قاعات المحاضرات، لأصحو على واقع يخبرني أن لا أحد ينتظرني هنا.
برمان، الذي أرسل سيرته الذاتية لأكثر من 50 شركة دون جدوى، يصف حالته بمرارة: حلمي مات في أول شهر بحثت فيه عن عمل. لست وحدي، فزملاء لي من حملة الدكتوراه والمحامون يجوبون الشوارع بحثاً عن مسافرين بدلاً من ممارسة مهنهم التي أفنوا أعمارهم في تعلمها.
بطالة ذوي الشهادات: أزمة بنيوية
تشير بيانات مسح القوى العاملة الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني إلى أن نسبة العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية بلغت 35.6% من إجمالي العاطلين. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة خريجي الجامعات بين العاملين 27.2%، مما يشير إلى فجوة حادة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.
النساء في مواجهة التمييز
تتفاقم الأزمة لدى النساء، حيث قفز معدل البطالة بينهن ليصل إلى 16.7%. وتروي سارا (29 عاماً)، الحاصلة على بكالوريوس في الإدارة الصناعية، تجربتها قائلة: في مقابلات العمل، كان السؤال الأول: متى ستتزوجين؟ كأن كوني امرأة هو العائق الوحيد. تعمل سارا اليوم في متجر لمستحضرات التجميل براتب زهيد، بعد أن كانت تحلم بإدارة شركة كبرى.
البطالة المقنعة والأرقام الخادعة
يحذر الخبير العمالي الدكتور فاضل خميسي من أن الأرقام الرسمية لا تعكس الواقع بالكامل. ويشير إلى ظاهرة البطالة المقنعة حيث يتحول المهندسون والأكاديميون إلى عمال في قطاعات خدمية غير مستقرة. ويضيف: خسر صندوق الضمان الاجتماعي نحو مليون مساهم خلال عام واحد، وهو مؤشر حقيقي على خروج هؤلاء من سوق العمل الرسمي نحو وظائف هامشية.
جذور الأزمة
حدد خميسي ثلاثة أسباب رئيسية لهذه الأزمة:
- عدم التوافق: فجوة بين المهارات الأكاديمية النظرية ومتطلبات السوق العملية.
- توقعات الخريجين: إصرار البعض على الوظائف المكتبية ورفض المهن الفنية.
- التمييز المجتمعي: القيود المفروضة على النساء في سوق العمل.
ويختتم خميسي تحذيره بالتأكيد على أن هذا الوضع يمثل قنبلة اجتماعية موقوتة، حيث يتحول يأس الشباب إلى إحباط قد يهدد الاستقرار الاجتماعي، بعد أن فقدت الشهادة الجامعية قيمتها كجواز مرور نحو المستقبل.


