بينما تواصل دول العالم إنفاق الملايين لمحاصرة أضرار التبغ التقليدي، تبرز أزمة صحية جديدة تتمثل في التبغ عديم الدخان، الذي يُسوق له كبديل أقل ضرراً أو وسيلة للإقلاع عن السجائر، رغم التحذيرات العلمية التي تصنفه كخطر داهم يهدد ملايين البشر.
تشير دراسة منشورة في مجلة نيو إنغلاند الطبية (NEJM) بتاريخ 10 يونيو/حزيران 2026، إلى أن أعداد مستخدمي التبغ عديم الدخان وصلت إلى 360 مليون شخص في 140 دولة، وتتركز الغالبية العظمى منهم، بنسبة تقارب 77%، في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، لا سيما في جنوب شرق آسيا.

ما هو التبغ عديم الدخان؟
يُستخرج التبغ من أوراق نبات النيكوتيانا، ويعتمد هذا النوع من المنتجات على استهلاك النيكوتين دون احتراق، عبر المضغ أو الاستنشاق أو الامتصاص عبر أنسجة الفم. وتشمل أنواعه أوراق التبغ المجففة، السنوس المعبأ في أكياس صغيرة، والنيكوتين القابل للذوبان، إضافة إلى النشوق الجاف.
تحتوي هذه المنتجات على مواد خطرة، أبرزها النيتروزامينات، وهي مركبات كيميائية تتكون أثناء التصنيع، وتعد من أقوى مسببات الأضرار الصحية، خاصة الأنواع الثلاثة الأكثر سمية: النيتروزونيكوتين (NNN)، (NNK)، و(NNAL).
آلية التأثير والسمية
عند دخول النيكوتين للجسم، يحفز الغدد الكظرية لإفراز الأدرينالين، مما يرفع ضربات القلب ويزيد تدفق الدم نحو الدماغ والعضلات، ويحفز إفراز الدوبامين الذي يمنح شعوراً مؤقتاً بالنشوة، مما يجعله مادة شديدة الإدمان.
وعلى عكس الادعاءات الترويجية، أكدت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) منذ عام 2007 أن التبغ الذي يُمضغ بالفم مادة مسرطنة، خاصة فيما يتعلق بسرطان تجويف الفم.
سرطان الفم والأمراض المزمنة
كشف مرصد السرطان العالمي لعام 2022 عن تسجيل قرابة 390 ألف حالة جديدة لسرطان الفم، مع ارتباط وثيق بين الإصابات والدول التي ينتشر فيها استخدام التبغ عديم الدخان. وتظهر الأبحاث، بما فيها مراجعة باحثين من جامعة فروتسواف الطبية، ارتباط هذه المنتجات بآفات الغشاء المخاطي، انحسار اللثة، تآكل الأسنان، وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية الفموي.

وفي دراسة مقطعية أجراها باحثون من الهند عام 2018، تبين أن 59.8% من مستخدمي التبغ الممضوغ يعانون من نزيف اللثة، و40.6% من جيوب اللثة، مع وجود حالات خلخلة وتآكل للأسنان بنسب مرتفعة مقارنة بغير المستخدمين.
خطر يمتد للقلب والشرايين
لا تتوقف الأضرار عند الفم، بل تمتد لتشمل القلب والأوعية الدموية. فقد أظهرت مراجعة منهجية لـ25 دراسة أجرتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) عام 2018، ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 17% والسكتة الدماغية بنسبة 28% بين مستخدمي التبغ عديم الدخان.

كما أصدرت جمعية القلب الأمريكية في 2024 تحذيراً يؤكد أن هذه المنتجات قد ترفع خطر الوفاة لدى مرضى القلب الإقفاري، وتحدث تغييرات سلبية في المؤشرات الحيوية المتعلقة بصحة القلب والأوعية الدموية، مما يدق ناقوس الخطر حول ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية دولية صارمة للحد من انتشار هذه الظاهرة.


