يستقر تحت عظمة القص في الجزء العلوي من الصدر عضو منسي وصغير الحجم، لطالما اعتبره الإغريق قديماً موطناً للروح، لكنه اليوم يتصدر اهتمامات الأبحاث العلمية بوصفه مفتاحاً محتملاً لزيادة متوسط عمر الإنسان.
ما هي الغدة الزعترية (الثيموسية)؟
تقع الغدة الزعترية أمام القلب، وتكون مكتملة النمو قبل الولادة، لكنها تبدأ في الانكماش التدريجي وتفقد نشاطها مع التقدم في العمر.
تعتبر هذه الغدة المصنع الذي تنضج فيه الخلايا التائية (T cells)؛ وهي نوع من خلايا الدم البيضاء الحيوية التي تلاحق الخلايا المصابة أو السرطانية وتنسق استجابة الجهاز المناعي.
توضح البروفيسورة باولا بونفانتي، المتخصصة في بيولوجيا الخلايا الظهارية بجامعة كوليدج لندن، أن انكماش هذه الغدة يبدأ في مرحلة مبكرة من الحياة، تحديداً منذ الطفولة، ويتسارع مع البلوغ، مما يؤدي إلى تراجع قدرة الجسم على إنتاج خلايا تائية جديدة، وهو ما يمكن قياسه عبر فحص كثافة هذه الخلايا في الدم.
ماذا كشفت الدراسات الحديثة؟
منذ تسعينيات القرن الماضي، سعى العلماء لمعرفة ما إذا كان إيقاف تدهور هذه الغدة قد يعزز الجهاز المناعي ويحسن الصحة العامة في الشيخوخة.
- دراسة هارفارد (مارس 2024): استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف الأشعة المقطعية، ووجدوا أن البالغين الذين لديهم غدة زعترية تبدو صحية يعيشون لفترة أطول، مع انخفاض معدلات الإصابة بأمراض القلب والسرطان.
- العلاقة بالسرطان: أظهرت دراسات أخرى أن صحة الغدة الزعترية تؤثر بشكل مباشر على استجابة مرضى السرطان للعلاج المناعي، الذي يعتمد كلياً على قوة الجهاز المناعي للمريض.
- مخاطر الاستئصال: كشفت دراسة أجريت عام 2023 أن الأفراد الذين خضعوا لاستئصال الغدة كانوا أكثر عرضة للوفاة بمقدار ثلاثة أضعاف، وأكثر عرضة للإصابة بالسرطان بمقدار الضعف، مقارنة بمن احتفظوا بها.
ومع ذلك، تحذر بونفانتي من أن هذه النتائج تعتمد على الارتباط وليس بالضرورة السبب والنتيجة، مشيرة إلى أن الأفراد الأكثر صحة قد يكونون ببساطة أكثر قدرة على الحفاظ على نسيج الغدة، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن هناك أدلة بيولوجية قوية على أن الحفاظ على وظيفة الغدة يدعم استجابة مناعية أكثر قوة.
لماذا ظلت الغدة مهملة طويلاً؟
ساد اعتقاد لعقود بأن الغدة تصبح خاملة تماماً بعد البلوغ. لكن الواقع العلمي أثبت أنها لا تختفي، بل تمر بعملية تسمى الضمور (Involution)، حيث تُستبدل الأنسجة الوظيفية تدريجياً بدهون وأنسجة ضامة. ورغم ذلك، تظل هناك بقايا من الأنسجة الوظيفية طوال حياة الإنسان، وإن تفاوتت كميتها بين الأفراد.
آفاق المستقبل: هل يمكن تجديد الغدة؟
يشير العلماء إلى أن الغدة الزعترية تمتلك قدرة طبيعية على التجدد؛ فهي تضمر خلال الحمل وتتعافى بعد الولادة. حالياً، تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية مثل Tolerance Bio على تطوير أجسام مضادة قد تبطئ من عملية انكماش الغدة، مع خطط لبدء تجارب سريرية في العام المقبل.
وتختتم بونفانتي بالقول: إذا ثبت أن تجديد الغدة الزعترية آمن وفعال، فمن غير المرجح أن يُستخدم في البداية للأصحاء الراغبين في إبطاء الشيخوخة، بل سيُوجه للمرضى الذين لديهم احتياجات طبية ماسة، حيث تفوق الفوائد المحتملة أي مخاطر محتملة.


