تواجه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد تحدياً قانونياً وحقوقياً دقيقاً؛ يتمثل في كيفية ملاحقة الجرائم الدولية المرتكبة خلال العقود الماضية وتفكيك الجهاز المؤسسي للنظام السابق، دون الوقوع في فخ استنساخ الأساليب القانونية التي اتسمت بالفضفاضة والقمعية.
التحدي الدستوري: مبدأ الشرعية مقابل العدالة الانتقالية
يلزم الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025 الدولة بتجريم تمجيد النظام السابق وإنكار جرائمه، مع التأكيد على عدم سريان مبدأ عدم رجعية القوانين على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. غير أن خبراء قانونيين يرون ضرورة موازنة هذا الالتزام مع ضمانات مبدأ الشرعية؛ بحيث لا يتحول التشريع إلى إعلان سياسي يحل محل الإثبات القضائي.
إن سن قانون يعلن إدانة جماعية لشخصيات أو فترات زمنية محددة من شأنه أن يتعارض مع المادة (17) من الإعلان الدستوري التي تنص على أن العقوبة شخصية وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وهو ما يتماشى أيضاً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لا يجيز مفهوم الديمقراطية المقاتلة، الذي يقر بحق النظام الديمقراطي في الدفاع عن نفسه في مواجهة القوى الساعية إلى إلغائه، معاقبة أيديولوجيا غير محددة المعالم، بل يقتضي وضع فئات قانونية منضبطة تستهدف إعادة بناء المؤسسات والممارسات المسؤولة عن القمع.
إشكالية الأسدية في القانون الجنائي
يشير المقال إلى أن مصطلح الأسدية رغم أهميته السياسية في وصف طبيعة النظام السابق، إلا أنه يفتقر للضبط القانوني. لذا، فإن حظر الأسدية ومظاهرها بشكل عام قد يدمج أفعالاً متباينة، بدءاً من التحليل الأكاديمي وصولاً إلى التهديدات المباشرة، مما يفتح الباب أمام استغلال السلطة لقمع الآراء المخالفة تحت غطاء حماية الدولة.
النموذج الألماني: بنية قانونية لا قالب جاهز
على الرغم من تكرار الاستشهاد بالتجربة الألمانية كنموذج لحظر منظومة الحكم الاستبدادية، يوضح المقال أن ألمانيا قدمت بنية قانونية نشأت في سياق تاريخي محدد. فالمحكمة الدستورية الاتحادية هناك تضع معايير دقيقة لحظر الأحزاب، مع توفير ضمانات صريحة لحرية التعبير والبحث العلمي والتعليم، معتبرة أن الحماية الديمقراطية تتطلب آليات قانونية ذات أركان دقيقة لا تجريماً عاماً للأيديولوجيا.
نحو ملاحقة قانونية عادلة
يؤكد المقال على ضرورة التمييز بين الملاحقة الجنائية التي تستند إلى أدلة مقبولة، وبين الإجراءات الإدارية (التدقيق الإداري) التي تهدف لتقييم أهلية المسؤولين للاستمرار في وظائفهم. ويشدد على أن أي مسار قانوني يجب أن يوفر:
- ضمانات المحاكمة العادلة والطعن في القرارات.
- عدم الاستبعاد القائم على الهوية أو الانتماء الطائفي أو العائلي.
- حماية الضحايا دون عرقلة سير العدالة أو ترهيب الشهود.
من شأن قانون سيئ الصياغة لمناهضة الأسدية أن يعيد إنتاج هذه الأساليب في مواجهة أهداف سياسية جديدة. ويظل مطلب الحظر الواسع مفهوما في ضوء استمرار الإنكار، وترهيب الناجين، وعودة شبكات الأمن والمحسوبية السابقة إلى المجال السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع القانون الذي أعلنت عنه وزارة العدل في يونيو/حزيران 2026 كاختبار حقيقي؛ إذ يتطلب صياغة دقيقة تفرق بين حماية الضحايا والسيطرة على الرأي التاريخي، لضمان ألا تقتصر المساءلة على عكس الولاء السياسي، بل تمتد لتشمل إنهاء التجريم الفضفاض والذنب الجماعي.


