أزمة ثقة في واشنطن: عندما يصبح الحليف التحدي الأكبر في مفاوضات إيران

أزمة ثقة في واشنطن: عندما يصبح الحليف التحدي الأ

في خضم أدق مفاوضات تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ عقود، واجهت الإدارة الأمريكية تحدياً غير مسبوق؛ فلم تكن العقبة الأكبر هي الطرف الإيراني، بل كان الحليف الأقرب: إسرائيل. كشفت تقارير استخباراتية وتحقيقات صحفية عن قيام مسؤولين أمريكيين بتحذير طهران سراً من مخطط إسرائيلي محتمل لاغتيال كبار مفاوضيها، عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف.

نمط متكرر وليس مجرد فرضية

تشير المعطيات إلى أن إسرائيل نفذت سلسلة من الاغتيالات التي طالت شخصيات إيرانية بارزة كانت تلعب أدواراً محورية في مسارات التفاوض، مثل علي لاريجاني وكمال خرازي، مما دفع واشنطن للاعتقاد بأن الهدف هو تقويض العملية الدبلوماسية برمتها. وتؤكد التقارير أن قاليباف نفسه نجا من محاولتي اغتيال إسرائيليتين، إحداهما استهدفت مخبأً كان يضم مسؤولين رفيعي المستوى.

معضلة المفسد الحليف

في علم حل النزاعات، يُطلق مصطلح المفسدين على الأطراف التي ترى في عملية السلام تهديداً وجودياً وتسعى لتعطيلها. وتكمن المعضلة التي تواجهها واشنطن في أن أدوات الضغط التقليدية – من إغراء أو إكراه – لا تصلح مع حليف استراتيجي يتلقى الدعم الكامل، ويرى في أي تقارب أمريكي-إيراني كارثة استراتيجية تهدد مصالحه الأمنية والسياسية.

وتشير تحقيقات إلى أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مارس ضغوطاً لتضخيم تقييمات إنجازات الحرب، مما يجعل التوصل إلى اتفاق مستدام أمراً يهدد السردية السياسية التي سوقتها الحكومة الإسرائيلية لجمهورها.

معضلة الالتصاق والتحالف

يصف علماء السياسة وضع واشنطن بـ الالتصاق (Entrapment)، حيث يجد الطرف الراعي نفسه مجروراً من قبل حليفه إلى نتائج لا يرغب بها. فبينما كان السيناريو التقليدي هو جر الحليف إلى الحرب، يمثل الملف الإيراني الحالة المعاكسة: حليف يعمل جاهداً لجر راعيه (الولايات المتحدة) بعيداً عن مسار السلام.

لقد تحولت إدارة المفسد إلى إدارة للتحالف، حيث لجأت واشنطن إلى التدرج في الضغط؛ بدءاً من الطلبات الخاصة، وصولاً إلى التصريحات العلنية من مسؤولين مثل نائب الرئيس جي دي فانس، وهو ما يعكس عجز واشنطن عن ممارسة سيطرة فعلية على شريكها الإقليمي.

الاستقرار عبر الطرف الثالث

أمام هذا الواقع، لجأت الأطراف إلى استراتيجية الطرف الثالث لضمان عدم انهيار المفاوضات. فعندما خشيت طهران من استهداف وفدها، وفرت وساطات إقليمية (باكستانية وقطرية) ضمانات أمنية، وصلت إلى حد مرافقة طائرات الوفد الإيراني بمقاتلات حربية لضمان وصولهم بسلام.

إن النجاح الحالي للمفاوضات لا يقاس بحجم الاختراقات التاريخية، بل بحقيقة أن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة، وأن المفاوضين لا يزالون على قيد الحياة، في تجسيد حي لواقع دبلوماسي صعب: حيث تضطر القوة العظمى لحماية خصمها من حليفها، لإنقاذ مسار سلام لا يزال هشاً.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص