مونديال 2026: كيف تعيد حمى كرة القدم ضبط إيقاع الحياة والمزاج العام؟

مونديال 2026: كيف تعيد حمى كرة القدم ضبط إيقاع ا

يكفي أن تقود سيارتك في أحد الأحياء السكنية، أيّاً كان البلد الذي تعيش فيه، لتشعر أن شيئاً استثنائياً يحدث. سيارات تكتسي بألوان المنتخبات، وأعلام تتدلّى من الشرفات، وأضواء تزيّن البيوت، وأصوات هتافات تتعالى من المقاهي والمنازل. للوهلة الأولى قد تظن أن هناك شجاراً في الجوار، قبل أن تكتشف أن الأمر ليس سوى هدفٍ هزّ الشباك، فأشعل فرحة حيٍّ بأكمله.

هذا هو المشهد الذي يفرض نفسه في صيف 2026؛ حيث أعاد المونديال ضبط إيقاع الحياة اليومية، وجعلها تدور في فلك المباريات. البطولة لا تُغيّر نتائج كرة القدم فحسب، بل تُعيد تشكيل مزاج المدن، وطريقة الناس في الاحتفال والانتظار.

المونديال: حين يضحك وطن ويبكي آخر

جماهير
جماهير برازيلية تُظهر تأثرها بعد خسارة منتخبها أمام ألمانيا في مونديال 2014.

في نهائي كأس العالم 2022، شهدت الأرجنتين أكبر موجات الاحتفال الجماعي في تاريخها الحديث بعد فوز منتخبها، ما دفع الحكومة لإعلان عطلة وطنية. وفي المقابل، قدمت البرازيل في 2014 وجهاً آخر لهذا التأثير الشعبي، حين تحولت خسارة منتخبها بسباعية أمام ألمانيا إلى كارثة وطنية انعكست على الحالة النفسية لملايين المشجعين، ما يثبت أن تأثير المونديال يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليصل إلى الهوية الوطنية.

وعلى الصعيد العربي، شكل تأهل المنتخب الأردني إلى كأس العالم 2026 حدثاً فارقاً، حيث امتلأت الساحات بالمحتفلين، وتصدر وسم التأهل منصات التواصل الاجتماعي، مما يؤكد أن كرة القدم باتت إنجازاً وطنياً يشارك فيه حتى من لا يتابعون اللعبة بانتظام.

إجازة جماعية غير معلنة

مشجعون

يرى متابعون أن المونديال يمنح الناس سبباً يومياً للفرح والترقب، وكأنها إجازة جماعية. يقول المشجع المغربي نور الدين العوارتاسي: في أيام المونديال يصبح جدولي اليومي مرتبطاً بالمباريات أكثر من أي شيء آخر. هذا التغير يمتد ليشمل مواعيد النوم واللقاءات العائلية، حيث تصبح النتيجة حديث المجالس ليوم كامل.

لماذا نشعر أن المنتخب يمثلنا؟

يفسر الأخصائي النفسي عمر عبد الله هذه الظاهرة بحاجة الإنسان الفطرية للانتماء؛ فالمشجع لا يرى المنتخب فريقاً رياضياً فحسب، بل امتداداً لهويته. ويضيف: الإنسان يستعير إحساسه بالنجاح من الفريق، وينقل الانفعالات بالعدوى الشعورية. ويحذر عبد الله من أن المشكلة تكمن في ربط قيمة الإنسان الشخصية بنتيجة مباراة لا يملك أي تأثير فيها، حيث يظل الانفعال الجمعي مخيماً على المجتمع لساعات أو أيام بعد صافرة النهاية.

الإعلام: لاعبٌ آخر في المباراة

مشجع

تؤكد الدكتورة وهيبة الغالي، الباحثة في الإعلام، أن وسائل الإعلام التقليدية والرقمية تؤدي دوراً حاسماً في تضخيم هذه المشاعر. فالكاميرات تقتنص صور البكاء والفرح لزيادة التفاعل، وشبكات التواصل الاجتماعي تساهم في تشكيل المزاج الجماعي عبر مقاطع قد تُخرج الأحداث عن سياقها لصناعة أبطال للمونديال.

وبينما ينجح المونديال في التحكم بمزاج ملايين البشر، تظل هذه البطولة محطة استثنائية تعيدنا لاكتشاف أن أكثر ما يؤثر في يومياتنا كل أربع سنوات ليس العمل أو الطقس، بل كرةٌ صغيرة قررت أن تدخل الشباك أو ترتطم بالقائم.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص