بعد مرور قرابة ألفي عام على ثوران بركان فيزوف الذي طمس مدينة بومبي الرومانية، نجح علماء الآثار في فك شفرة حقيبة غامضة كانت بحوزة أحد الضحايا الذين عُثر عليهم في حديقة الهاربين، ليكتشفوا أنها تعود لطبيب كان يحمل معه أدوات مهنته في لحظاته الأخيرة.
بدأت الحكاية في عام 1961، حين قام علماء الآثار بصب الجص في الفراغات التي خلفتها جثث الضحايا داخل طبقات الرماد المتصلب، لتوثيق اللحظات الأخيرة لـ 13 شخصاً حاولوا الاحتماء بكرم عنب قبل أن تباغتهم موجة من الغازات القاتلة والرماد البركاني. ومن بين هؤلاء، ظهرت جثة كانت تحتضن صندوقاً صغيراً، ظلت محتوياته لغزاً لعقود طويلة.
تقنيات حديثة تكشف المقتنيات الطبية
بفضل استخدام تقنيات الأشعة السينية والمقطعية المتطورة، تمكن الباحثون من سبر أغوار الصندوق دون المساس بالقالب الجصي التاريخي. وأظهرت النتائج مقتنيات دقيقة تشمل:
- أدوات جراحية معدنية صغيرة.
- لوحاً مصنوعاً من الأردواز كان يُستخدم لتحضير المستحضرات الطبية والعلاجات المكونة من العسل والنبيذ والخل والمستخلصات النباتية.
- آلية إغلاق متطورة للصندوق تعمل بنظام الترس المسنن.
- حقيبة قماشية تحتوي على عملات برونزية وفضية.
Nuove scoperte dall’Orto dei Fuggiaschi. A distanza di anni emerge l’identità di una vittima: era un medico https://t.co/PzT1eXDfk2
— Pompeii Sites (@pompeii_sites) May 15, 2026
طبيب في رحلة النجاة
يرى غابرييل زوخترايغل، مدير الحديقة الأثرية في بومبي، أن الأدوات التي كان يحملها الطبيب تعكس إصراره المزدوج؛ فربما أراد النجاة بنفسه وبناء حياة جديدة في مكان آخر مستنداً إلى مهنته، وربما كان يحملها بدافع إنساني لمحاولة مساعدة الآخرين أثناء الكارثة. ويضيف زوخترايغل: كان هناك من لا يمارس الطب في ساعات الاستقبال فقط، بل كان يحمله معه في كل الأوقات.
لمحة عن الطب في المجتمع الروماني
تعكس هذه المكتشفات المكانة المتقدمة التي بلغها الطب في روما آنذاك؛ حيث تحول الأطباء من مجرد عبيد يونانيين إلى فئة اجتماعية مرموقة، لا سيما بعد قرار يوليوس قيصر بمنحهم الجنسية الرومانية. ويؤكد الباحثون أن هذه الحقيبة ليست مجرد صندوق قديم، بل هي وثيقة حية من أرشيف بومبي، تقدم نظرة نادرة على الكفاح البشري في مواجهة غضب الطبيعة قبل ألفي عام.


