
على عمق 18 متراً تحت شوارع مدينة ليفربول الإنجليزية، تمتد شبكة معقدة من الأنفاق والغرف التي تثير حيرة المؤرخين والزوار منذ عقود. هذه المتاهة، التي تغطي مساحة تتجاوز 3.6 كيلومتر مربع، لم تكن مجرد بنية تحتية عادية، بل هي لغز تاريخي شيّده تاجر التبغ جوزيف ويليامسون في مطلع القرن التاسع عشر.
بدأت قصة هذه الأنفاق عندما شرع ويليامسون، المعروف بشخصيته الغامضة، في حفر وتطوير هذه الشبكة أسفل منزله والحي المحيط به. ظلت هذه المتاهة طي النسيان لأكثر من قرن، مليئة بالأنقاض والمخلفات، حتى أُعيد اكتشافها في مطلع القرن الحادي والعشرين، لتبدأ رحلة شاقة من التنقيب التي قادها متطوعون سعياً لفهم الدوافع وراء هذا المشروع الضخم.
يعد موقع بادينغتون أكبر الأجزاء المكتشفة من هذه الشبكة. عند الدخول إلى هذه الغرف، يجد الزائر نفسه أمام مساحات جافة ومنظمة تشبه أقبية تخزين النبيذ الفاخرة، تتفرع منها ممرات ضيقة تذكر بمدافن عصور ما قبل التاريخ، بالإضافة إلى حجرات عُثر بداخلها على أوانٍ خزفية، وزجاجات قديمة، ورؤوس دمى، وهي مقتنيات تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين.
تعددت النظريات حول سبب بناء هذه الأنفاق؛ فبينما ذهب البعض للقول إنها ممرات لتهريب البضائع أو مقرات لجماعات سرية، توصلت المنظمات المهتمة بتراث ويليامسون إلى استنتاج أكثر عقلانية، وهو العمل الخيري.
يُعتقد أن ويليامسون، الذي كان رجلاً شديد الكتمان ولم يترك خرائط أو سجلات لمشروعه، أراد توفير فرص عمل للرجال في فترة كانت ظروف المعيشة فيها صعبة، حيث كان يخشى أن يتورط العاطلون عن العمل في المشاكل أو ينتهي بهم المطاف في السجن. وبذلك، تحولت عملية استخراج الحجر الرملي وتشييد الأنفاق إلى وسيلة لإعالة العائلات المحلية.
تعتبر قاعة الولائم، التي يصل ارتفاعها إلى ثمانية أمتار، درة هذه الأنفاق. وتقول الروايات الشعبية -وإن كانت غير مؤكدة- إن ويليامسون استخدم هذه القاعة لإقامة مأدبة فاخرة للضيوف المخلصين الذين بقوا معه بعد أن غادر آخرون بسبب تقديمه وجبة متواضعة في البداية، في إشارة إلى طبع الرجل الغريب الذي لا يزال لغزه يستهوي الباحثين حتى اليوم.