
لطالما كان أصل المياه التي تغطي سطح كوكبنا لغزاً حير العلماء لعقود؛ ففي بيئة الأرض الفتية التي تشكلت قبل 4.5 مليار سنة، كانت الظروف شديدة الحرارة لدرجة يصعب معها تصور وجود محيطات. وبينما اتجهت الأنظار طويلاً إلى المذنبات والكويكبات كـ ناقلات للمياه من أقاصي المجموعة الشمسية، تقترح دراسة علمية حديثة سيناريو مختلفاً: ربما تكون الأرض قد صنعت قسماً كبيراً من مياهها بنفسها خلال مراحل نموها الأولى.
أجرى باحثون في جامعة نيو مكسيكو الأمريكية تجارب نشرت نتائجها في دورية نيتشر جيوساينس (Nature Geoscience)، أثبتت أن الصخور المحتوية على الحديد قادرة على إنتاج بخار الماء عند تفاعلها مع غاز الهيدروجين تحت درجات حرارة مرتفعة، وهو ما يحاكي الظروف السائدة أثناء تشكل الكوكب.
في تلك الحقبة، كانت الأرض تنمو عبر تراكم الحبيبات الصخرية داخل قرص من الغاز والغبار. ومع ازدياد كتلتها، أحاط بها غلاف جوي غني بالهيدروجين، مما خلق بيئة مثالية لصهر الصخور المتساقطة. وعند اختبار عينات صخرية سيليكاتية في درجات حرارة تراوحت بين 1200 و1400 درجة مئوية في أجواء هيدروجينية، كانت النتيجة تحول 80% من أكسيد الحديد إلى حديد فلزي، مع انبعاث بخار الماء كمنتج ثانوي لهذا التفاعل الكيميائي.
لا تلغي هذه الدراسة فرضية اصطدام المذنبات والكويكبات بالأرض، لكنها تضعف الاعتماد الكلي عليها. ففي السابق، واجهت فرضية المذنبات تحديات تتعلق بنسب نظائر الهيدروجين (الديوتيريوم) التي لا تتطابق دائماً مع مياه المحيطات، كما رصدت مركبة جيوتو في مذنب هالي عام 1986.
ويشير زاكاري شارب، أستاذ علوم الأرض والكواكب، إلى أن هذه الآلية قد تكون أنتجت كميات هائلة من المياه تعادل مئات المحيطات، مما يفتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية نشوء المياه في الكواكب الصخرية الأخرى في الكون، وهو ما قد يجعل وجود المياه ظاهرة أكثر شيوعاً في الأنظمة النجمية مما كان يُعتقد سابقاً.
ورغم هذه النتائج الواعدة، يؤكد العلماء أن المسألة لا تزال بحاجة لمزيد من النمذجة للتأكد من قدرة الأرض المبكرة على الاحتفاظ بهذه المياه ومنع تسربها إلى الفضاء، لتبقى المحيطات شاهداً على تاريخ جيولوجي معقد بدأ منذ اللحظات الأولى لولادة الكوكب.