
سلطت تقارير صحفية صينية الضوء على وفاة رئيس الوزراء الياباني الأسبق ياسوو فوكودا، متسائلة عن قدرة بكين وطوكيو على احتواء أزماتهما المتصاعدة مع رحيل سياسي حظي بثقة بكين، وأتاحت له مكانته فتح أبواب أُغلقت أمام القنوات الرسمية.
فقد لعب فوكودا دوراً محورياً في صياغة تفاهمات ثنائية، وعمل وسيطاً موثوقاً حينما تعطلت اللقاءات بين القادة. ومع التوتر الحالي بشأن تايوان والذاكرة التاريخية، يبرز تساؤل حول كيفية تعويض هذا الدور في ظل مناخ سياسي يضيق فيه هامش المناورة للسياسيين الراغبين في التقارب.
توفي فوكودا في 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري في طوكيو عن عمر ناهز 90 عاماً. ويأتي رحيله في وقت تتزايد فيه تكلفة التقارب مع الصين بالنسبة للسياسيين اليابانيين. وبحسب وانغ غوانغ تاو، نائب مدير مركز الدراسات اليابانية بجامعة فودان، فإن أي بادرة حسن نية تجاه بكين قد تُفسَّر في الداخل على أنها ضعف، مما يثير مخاوف الساعين نحو تهدئة التوترات.
توضح أزمة جزر دياويو (سينكاكو) الدور الذي أداه فوكودا بعد مغادرته السلطة؛ ففي يوليو/تموز 2014، زار فوكودا بكين سراً والتقى الرئيس شي جين بينغ، في تحرك مهد الطريق للقاء شي مع رئيس الوزراء الياباني حينها شينزو آبي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
يُعَد البيان الذي وقعه فوكودا مع الرئيس الصيني هو جينتاو عام 2008 أهم إسهاماته خلال رئاسته للحكومة، إلى جانب التفاهمات بشأن بحر الصين الشرقي، ودفع المباحثات بشأن التطوير المشترك السلمي لموارده.
ارتبط رصيد فوكودا ببناء الإطار السياسي للعلاقات؛ حيث شارك في إقرار معاهدة السلام والصداقة عام 1978، ثم وقع عام 2008 بياناً لتعزيز العلاقة الإستراتيجية متبادلة المنفعة. ويرى الباحثون أن الحفاظ على إرثه يتطلب التزاماً صارماً بالوثائق السياسية الأربع التي تؤطر العلاقات الثنائية، وجعلها أساساً لإدارة الخلافات بدلاً من تغليب حسابات الأزمة.
كان موقف فوكودا من التاريخ حجر الزاوية في قدرته على التواصل؛ حيث التزم بعدم زيارة ضريح ياسوكوني وزار متحف مذبحة نانجينغ، كما انتقد تصريحات رئيسة الوزراء الحالية ساناي تاكايتشي بشأن تايوان، محذراً من تعريض اليابان لخطر الصراع. وفي المقابل، لا تزال الذاكرة التاريخية حاضرة بقوة في الخطاب الصيني، وهو ما ظهر في الفعاليات الأخيرة التي نظمتها الصين بمناسبة ذكرى محاكمات طوكيو لجرائم الحرب العالمية الثانية.
تكشف وفاة فوكودا هشاشة الاعتماد على شخصيات محددة لفتح قنوات الحوار عند تعطل المسارات الرسمية. إن التحدي القادم أمام طوكيو وبكين يكمن في مدى قدرتهما على تحويل الالتزامات السياسية السابقة إلى آليات تواصل عملية تصمد أمام تصاعد التوترات الأمنية، وتمنع انزلاق الخلافات نحو قطيعة شاملة.