
في ظل طغيان التكنولوجيا وتصارع الهويات، يبرز سؤال جوهري حول كيفية تربية الأجيال الناشئة على محبة الوطن وقيمه. إن ربط الأجيال الجديدة بذاكرتها الجماعية لا يكتمل إلا بتعزيز ثلاثية التاريخ، الفلسفة، والفنون في منظومتنا التعليمية، كأدوات سيادية لا تقل أهمية عن حماية الحدود الجغرافية.
لقد كان المغرب في فترة السبعينيات يعيش خصوبة ثقافية وفنية استثنائية، حيث شكلت مجموعات مثل جيل جيلالة وناس الغيوان ولمشاهب، إلى جانب مسرح الطيب الصديقي وفنون الملحون والعيطة، رافداً أساسياً في تكوين جيلٍ واعٍ بوطنه ورموزه. هذه الأصوات لم تكن مجرد ترف فني، بل كانت مرآة عاكسة لهموم المغاربة وتطلعاتهم، ووشماً في الذاكرة الجماعية التي ساهمت في بناء المغرب الحديث.
إنني لا أفرق بين الحق في المطالبة باسترجاع ما زال بين يدي المحتل من أراضينا المغربية، ودرس في الفلسفة والتاريخ والفنون.
تعتبر مجموعة جيل جيلالة نموذجاً للصوت الفني الذي نحت ذاته من رحم الغناء الشعبي المغربي، وطور أشكالاً تراثية مثل الملحون بلمسة إبداعية راقية. إن قيمتها لا تكمن فقط في جودة موسيقاها، بل في كونها سجلت تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، ونددت بالظلم، ودعت إلى المحبة الإنسانية وقيم السلام.
صوت جيل جيلالة، من الأصوات الفنية التي تعلمنا منها الشيء الكثير. صوت جماعي شعبياً فني، نحت ذاته الجماعية من الغناء الشعبي الجماعي المغربي، بل طور العديد من الأشكال الغنائية المغربية الراقية مثل فن الملحون، وتمكن من أن يحدد له مقعدا فنيا في خريطة المغرب الطربي الشعبي الذي أسهم في بلورة وتقوية حاستنا الفنية وذائقتنا الجماعية.
إن إدراج إبداعات جيل جيلالة وبقية مكونات ذاكرتنا الشعبية ضمن المناهج الدراسية ليس ترفاً، بل هو ضرورة وطنية لحماية الأجيال من الفراغ والخواء. إننا اليوم أمام تحدي تسليم المشعل لجيل جديد، وهو ما يتطلب من قطاعات التربية والثقافة والمجتمع المدني العمل على توثيق هذه الذاكرة وتحويلها إلى مادة تعليمية وبحثية.
إن حماية الحدود من كل اعتداء، وصيانة الذاكرة الثقافية من المحو، هما قطبان يسيران في اتجاه واحد. فالمدرسة التي لا تُدرّس ذاكرتها الطربية والشعبية، هي مدرسة تساهم في صناعة أجيال لا تدرك قيمة الوطن ولا عمق انتمائها إليه.