
شهدت الدورة السبعون لمهرجان لندن السينمائي تتويج الفيلم الوثائقي الأردني أرض الخرسانة (أو تياها) للمخرجة أسمهان بكيرات بجائزة جون غريرسون المرموقة، في انتصار لافت للسينما الوثائقية الرصديّة التي تعتمد على توثيق الواقع دون تدخل مباشر من صانع الفيلم.
ويقدم الفيلم رصداً دقيقاً للحياة اليومية لعائلة بدوية فلسطينية مهجرة من بئر سبع، تستقر في أطراف العاصمة الأردنية عمان، حيث تواجه تحديات التوسع العمراني الذي يزحف على المساحات الرعوية والبيئة البكر التي كانت تشكل ملاذهم الوحيد. ومن هذا الصراع بين البداوة والامتداد الخرساني للمدينة، استمد الفيلم عنوانه.
يستعرض الفيلم التحولات الاجتماعية والمكانية عبر ثلاثة أجيال من عائلة النجار. يبرز الجيل الأول ممثلاً بالجد والجدة اللذين يعيشان في انسجام تام مع الطبيعة وحيواناتهما، وصولاً إلى جيل الأحفاد، حيث تركز الكاميرا على الطفلة إيمان التي نتابع نموها وتطور رؤيتها للعالم ومحاولتها للاندماج في الحياة الحديثة عبر الفضاء الرقمي، في تباين صارخ مع نمط حياة عائلتها.
استغرق إنجاز الفيلم نحو سبع سنوات ونصف، حيث قضت المخرجة ساعات طويلة في توثيق التفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر حياة العائلة. توضح بكيرات رؤيتها قائلة: أريد من الناس أن يدركوا أن حياة البدو لا تعني الفقر. فالبدو تاريخياً لم يكونوا فقراء، بل اختاروا هذا النمط من الحياة، بينما الحداثة ليست بالضرورة أفضل دائماً.
تصل ذروة التراجيديا في الفيلم مع اللحظة التي تضطر فيها العائلة للرحيل القسري، وتفكيك عالمها الصغير تحت ضغط التوسع العمراني وعدوانية الجيران الجدد، لينتهي الفيلم بمشهد العائلة وهي تشق طريقها نحو مجمعات المدينة المكتظة، في رحلة تعكس التيه والمصير المجهول.
أشادت لجنة التحكيم، برئاسة المخرجة سانديا سوري، بالفيلم واصفة إياه بأنه تصوير اتسم بجمال الملاحظة وأُنجز بإتقان وثقة. وأكدت اللجنة أن المخرجة أثبتت نضجاً فنياً عالياً في بناء المشاهد، والأهم من ذلك، قدرتها على خلق علاقة عميقة قائمة على الثقة مع شخصيات الفيلم، مما جعل المشاهد يشعر بقربٍ شديد من أفراد هذه العائلة الاستثنائية.
وعلى الرغم من محدودية الميزانية الإنتاجية، يبرز أرض الخرسانة كعمل باذخ الثراء في صدقه الفني، حيث نجحت المخرجة (التي تولت أيضاً مهام التصوير) في أن تكون جزءاً من نسيج العائلة اليومي، لا مجرد عين خارجية مراقبة، محولةً مشروعها السينمائي إلى صرخة إنسانية ضد التهميش والتهجير.