
في تحول لافت في أنماط السلوك الرقمي، بدأ قطاع واسع من الجيل زد وجيل الألفية في اتخاذ قرارات حاسمة بالانسحاب من منصات التواصل الاجتماعي، مفضلين نمط حياة خارج الشبكة (Offline) للتحرر من الضغوط الرقمية المستمرة.
بدأت هذه الظاهرة تتشكل مع تزايد الإرهاق الرقمي الناتج عن سيطرة الإعلانات المصقولة، ومقارنات أنماط الحياة المحبطة، والمحتوى الرديء. مات ريتشاردز، مدير حسابات أمريكي (23 عاماً)، كان من أوائل من وثقوا هذه التجربة؛ حيث أشار إلى أن الناس باتوا يدركون أنهم بحاجة لاستراحة من هواتفهم لقضاء وقت حقيقي في العالم الواقعي، بدلاً من اللجوء للهواتف للهروب من الواقع.
يتجه الشباب الذين يتبنون نمط الحياة هذا نحو استبدال الهواتف الذكية بأجهزة قديمة، والعودة لاقتناء الوسائط المادية مثل أسطوانات الفينيل، وممارسة هوايات يدوية كالحياكة والقراءة، مما يعزز من صحتهم العقلية وقدرتهم على التواصل المباشر.
وفي هذا السياق، تؤكد المؤثرة إيما تشامبرلين أن الابتعاد عن الإنترنت أصبح الاتجاه السائد الجديد، مشيرة إلى أن الجميع سئموا من الضغوط التي تفرضها المنصات الرقمية، مما دفعها للعودة لاستخدام أجهزة قديمة مثل آي بود للابتعاد عن بيئة آي فون المليئة بالمشتتات.
تشير البيانات الحديثة إلى تغير ملموس في عادات الاستهلاك الرقمي؛ حيث كشف استطلاع لشركة ديلويت عام 2025 أن ثلث أبناء الجيل زد في بريطانيا قاموا بحذف تطبيقات التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي. كما أظهر تحليل لعادات التصفح العالمية انخفاضاً بنسبة 10% في الوقت الذي يقضيه البالغون على هذه المنصات مقارنة بعام 2022.
ويعزو الباحث في دراسة الأجيال، جيسون دورسي، هذا التوجه إلى شعور الشباب بالعدائية والانقسام عبر الإنترنت، بالإضافة إلى تحول المنصات إلى مساحات إعلانية بحتة تفرض ضغوطاً هائلة على المستخدمين، مما يجعل هذا الجيل -الأكثر تعرضاً للإعلانات في التاريخ- يسعى لاستعادة السيطرة على خصوصيته ووقت فراغه.
يوضح الخبراء أن هذه الثورة الهادئة لا تعني بالضرورة التخلي التام عن التكنولوجيا أو التخلص من الهواتف، بل هي دعوة لاستخدام الإنترنت بوعي أكبر. الهدف هو تقليص التصفح القهري للأخبار السلبية والتركيز على الفعاليات الواقعية، مع الاحتفاظ بالتطبيقات كأدوات وظيفية فقط للتواصل أو التعلم، وليس كمحرك أساسي للحياة اليومية.