
تواجه منظومة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة تحدياً قانونياً وقضائياً غير مسبوق، يتمثل في محاولات متصاعدة لتقييد الحق في التقاضي الخاص (Private Right of Action). هذا المبدأ، الذي يسمح للأفراد والمنظمات الحقوقية برفع دعاوى قضائية لحماية حقوقهم دون انتظار تحرك الحكومة، بات اليوم في مرمى نيران الإدارة الأمريكية وتوجهات قضائية محافظة تسعى لنقل سلطة إنفاذ القانون حصراً إلى أيدي المؤسسات الحكومية.
تستعد المحكمة العليا الأمريكية للنظر في قضية مفصلية تتعلق بمدى أحقية موظفي الجامعات الممولة فيدرالياً في مقاضاة جهات عملهم بموجب الباب التاسع (Title IX) بتهم التمييز الجنسي. وتضغط الإدارة الحالية باتجاه إصدار حكم يمنع هذه الدعاوى، بحجة أن الكونغرس لم يمنح الموظفين حقاً خاصاً للتقاضي في هذا الشأن، معتبرة أن إنفاذ القوانين يجب أن يظل من اختصاص الحكومة حصراً.
يشير الخبراء القانونيون إلى أن تقييد القدرة على التقاضي الفردي يعني منح الحكومة سلطة تقديرية واسعة لتقرير أي الحقوق تستحق الحماية، وهو ما يفتح الباب أمام تسييس العدالة. ففي حال غياب القدرة على اللجوء للقضاء، تصبح حماية الحقوق رهينةً لتوجهات الإدارة القائمة، التي قد تختار تجاهل الانتهاكات أو التغاضي عنها لأسباب سياسية.
تؤكد البيانات أن الاعتماد على وزارة العدل وحدها لا يضمن حماية الحقوق المدنية. ففي عام 2024، ومن بين 216 قضية نشطة تتعلق بحقوق التصويت وإعادة رسم الدوائر الانتخابية، لم تكن الوزارة طرفاً سوى في خمس قضايا فقط. هذا التفاوت يبرز الدور الحيوي الذي تلعبه المبادرات الفردية ومنظمات المجتمع المدني في سد الفجوة التي تعجز أو ترفض الحكومة عن تغطيتها.
إن تراجع الحق في التقاضي الخاص يمثل تهديداً تراكمياً للمكتسبات الحقوقية التي تحققت على مدار عقود. ومع استمرار التوجهات التي تحصر دور المواطن في الانتظار أو المطالبة، يجد الأفراد أنفسهم أمام مسارات قانونية مغلقة، مما يجعل حماية حقوقهم المدنية والسياسية معلقة على إرادة السلطة التنفيذية، وهو ما يراه الحقوقيون انحرافاً خطيراً عن مبادئ العدالة التي تأسست عليها الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.