
لا تضمن الكفاءة أو الشهادات العلمية دائماً المساواة في سوق العمل الفرنسي، إذ يجد الموظفون من أصول عربية أنفسهم أمام واقع قاسٍ، حيث يتحول الاسم أو المظهر إلى معيار لتحديد فرص التوظيف والترقي، مما يضطر الكثيرين منهم إلى إخفاء جانب من هويتهم لضمان القبول المهني.
تبدأ التجارب المؤلمة غالباً مع أول احتكاك بالعالم المهني. يستعيد سليم، طالب في مجال المعلوماتية، واقعة تعرض لها خلال تدريب مهني في أحد الفنادق الفاخرة بباريس، حيث واجه تعليقاً عنصرياً من مسؤول في المؤسسة، أخبره فيه أن رؤية العرب في مثل هذه الوظائف أمر نادر، فهم يوجدون عادة في قسم غسل الأطباق.
مسؤول فرنسي بإحدى الشركات وهو يتحدث إلى سليم: رؤية العرب في مثل هذه الوظائف أمر نادر، فهم يوجدون عادة في قسم غسل الأطباق
يصف سليم تلك اللحظة بأنها اليوم الذي أصبح فيه عربياً، ليس بمعنى اكتشاف أصوله، بل بإدراكه أن الآخرين باتوا يختزلون كفاءته في صورة نمطية مسبقة، مؤكداً: أدركت أننا، بالنسبة إلى البعض، لسنا سوى فرنسيين على الورق.
ويتفق معه أيوب نوح، إطار في مجال المعلوماتية، الذي لاحظ خلال مقابلات التوظيف أن الأسماء التي لا توحي بأصول مغاربية تحظى بفرص أكبر، مما يجعل من الاسم مدخلاً للتمييز حتى قبل اختبار الكفاءة.
تؤكد الباحثة في علم الاجتماع، آن زو-ثلامي، أن ما يحدث يتجاوز الوقائع الفردية، ليصبح عملية إسناد عرقي تُبنى على أساسها توقعات بشأن مكانة الفرد وقدراته. ويظهر هذا التمييز بوضوح في مسارات الترقي؛ حيث يروي أيوب أن زميلاً أبيض حصل على ترقية بعد أشهر قليلة من التحاقه بالعمل، بينما انتظر زميل مغاربي الكفاءة ذاتها لثلاث سنوات.
أيوب: زميل أبيض حصل على ترقية بعد أشهر قليلة من التحاقه بمؤسسة وفي المقابل، انتظر زميل مغاربي آخر 3 سنوات للحصول على الترقية نفسها التي نالها ذلك الموظف خلال 7 أشهر
وتشير تقارير حقوقية ومنظمة العمل الدولية إلى أن الأشخاص الذين يُنظر إليهم كعرب أو من أصول مغاربية أكثر عرضة للتمييز أثناء البحث عن عمل بمقدار 2.8 مرة مقارنة بغيرهم، وهي فجوة اتسعت عما كانت عليه في عام 2016.
لا يتوقف التمييز عند التوظيف، بل يمتد لفرض أدوار نمطية؛ حيث يُكلف الموظفون بمهام بناءً على أصولهم، أو يُطالبون بـ تعديل مظهرهم أو لهجتهم. تقول أنيسة، التي واجهت ضغوطاً لتمثيل صورة نمطية معينة: كان يُطلب مني أحيانا أن أتحدث باللغة العربية أثناء استراحة الغداء لإضحاك الزملاء.
أنيسة: كان يُطلب مني أحيانا أن أتحدث باللغة العربية أثناء استراحة الغداء لإضحاك الزملاء
هذا الضغط يدفع الكثيرين إلى إخفاء هويتهم أو مغادرة المؤسسات، رغم أن نسبة ضئيلة فقط (12%) من المتضررين يتخذون إجراءات قانونية بسبب الخوف من الانتقام أو ضعف الأدلة.
وفي ختام هذه التجارب، تشير الباحثة آن زو-ثلامي إلى العبء الإضافي الذي يتحمله الموظفون غير البيض، حيث يُطالبون ببذل جهد مضاعف لإثبات مهنيتهم، وسط بيئة لا تزال تعاني من ترسيخ الصور النمطية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول كيفية تحويل بيئة العمل إلى مساحة عادلة تعتمد على الإنجاز الفردي بعيداً عن التصنيفات العرقية.
ميديا بارت: التمييز في العمل لا يقتصر على رفض طلب توظيف أو حرمان موظف من ترقية، بل قد يتحول إلى تجربة تمس إحساس الإنسان بذاته ومكانه في المجتمع.