
في وقت تشهد فيه فرنسا تصاعداً في حدة التوترات الاجتماعية، يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون تحدياً وجودياً مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2027. فقد تحولت الاحتجاجات الطلابية الأخيرة إلى موجة من الغضب العارم التي كشفت عن شرخ عميق بين الحكومة والجيل الشاب، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التيار الوسطي الذي يمثله الرئيس.
في محاولة لاحتواء الأزمة، سعى ماكرون إلى الموازنة بين تفهم مطالب الطلاب بتحسين النظام التعليمي وإدانة أعمال العنف التي رافقت التظاهرات. وقال في خطاب له: أولئك الذين دمروا الممتلكات يجب أن يدفعوا الثمن، وأولئك الذين نهبوا يجب أن يعوضوا ضحاياهم، ومن سعوا لإسقاط الجمهورية سيحاسبون.
إلا أن هذه الكلمات لم تجد صدى إيجابياً لدى الشارع. يقول يانيس، طالب يبلغ من العمر 20 عاماً: لقد ألقى خطابه المعتاد دون تقديم أي شيء ملموس. سنعود إلى الشوارع، ولن تتوقف التظاهرات حتى نلمس تغييراً حقيقياً.
تأتي هذه الاضطرابات في ظل استقطاب سياسي حاد، حيث تحاول التيارات المتطرفة استغلال حالة الاحتقان:
يرى المحللون أن ماكرون، الذي يمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة، يترك خلفه إرثاً مثقلاً بالأزمات. وعلى عكس الاحتجاجات السابقة، مثل السترات الصفراء، لا تمتلك الحكومة الحالية رفاهية الحلول المالية؛ إذ سجلت فرنسا عجزاً في الميزانية بلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد أعلى المعدلات في الاتحاد الأوروبي.
ويشير الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي بليغ نابلي إلى أن التعبئة الحالية نجحت في فرض قضايا الشباب على أجندة النقاش الوطني، وهو أمر كان من الممكن تجاهله لولا الضغط الميداني، مضيفاً: هناك التزام سياسي أمام المرشحين القادمين بتقديم رسالة صادقة للشباب، لا مجرد وعود فارغة.
مع وصول شعبية الرئيس ماكرون إلى أدنى مستوياتها التاريخية (15%)، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح القوى السياسية في استيعاب غضب الشباب، أم أن فرنسا تتجه نحو مرحلة من الاضطراب السياسي الدائم؟ في غضون ذلك، كلف الرئيس رئيس وزرائه سيباستيان ليكورنو بفتح قنوات حوار مع الطلاب والنقابات، في محاولة أخيرة لامتصاص الغضب الشعبي قبل فوات الأوان.