
في حي إكسارخيا التاريخي بالعاصمة اليونانية أثينا، المعروف بنشاطه السياسي اليساري وتاريخه النضالي، تحولت شرفات المنازل التي كانت يوماً ما رمزاً للتضامن العالمي إلى ساحة صراع من نوع جديد. فقد أدت طفرة في شراء العقارات من قبل مستثمرين إسرائيليين لتحويلها إلى وحدات تأجير سياحي قصير الأمد (Airbnb) إلى حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد.
تستخدم تونيا كاتيريني، المهندسة المعمارية التي تقطن الحي منذ عام 1986، خرائط رقمية لتوثيق العقارات التي استحوذ عليها مستثمرون أجانب، حيث تظهر مساحات واسعة من الحي باللون الأحمر، مما يشير إلى تحولها لشركات تدير وحدات سياحية. وتقول كاتيريني: في حي تغطي جدرانه شعارات التضامن مع فلسطين، يثير هذا التوسع العقاري احتكاكات مباشرة، خاصة وأن العديد من المباني أصبحت تدار من قبل شركات إسرائيلية.
تعرضت العديد من المباني في الحي لهجمات بالطلاء الأسود والأحمر، حيث كُتبت شعارات تندد بـ التطهير الطبقي وتطالب برحيل الاستثمارات التي تهدد هوية المنطقة. وتؤكد كاتيريني أن استبدال السكان المحليين بالسياح أدى إلى إغلاق المتاجر التقليدية والمكتبات، وتحويل المباني السكنية إلى فنادق رقمية لا تظهر فيها سوى أرقام سرية للمفاتيح.
تشير بيانات بنك اليونان إلى تدفق قياسي للاستثمارات الأجنبية في العقارات، حيث تصدر الإسرائيليون قائمة المشترين في منطقة أتيكا المحيطة بالعاصمة. ويرى فاجيليس لازاريديس، رئيس جمعية وكلاء العقارات في أثينا، أن الاستثمار في إكسارخيا كان فرصة ممتازة نظراً لقربها من مراكز الجامعات ومحطات المترو، مشيراً إلى أن المستثمرين يتبعون منطق الربح المادي البحت.
من جانبها، ترى كريسولا باباجورجيو، وهي مدرسة تقطن الحي منذ 24 عاماً، أن الهدف هو تحويل وسط أثينا إلى منطقة سياحية بحتة، مشيرة إلى أن التواجد الأمني المكثف والعمل في مشاريع المترو يخدم هذا التوجه. وتضيف أن وجود العلم الفلسطيني في الحي يقابله أحياناً تخريب من قبل سياح، مما يزيد من حدة التوتر في ظل العلاقات الرسمية القوية بين الحكومة اليونانية وإسرائيل.
بدأت الحكومة اليونانية مؤخراً باتخاذ إجراءات لتبريد السوق العقاري، من بينها رفع ضريبة التحويل للمشترين من خارج الاتحاد الأوروبي من 3% إلى 15% ابتداءً من العام المقبل. كما تم تجميد إصدار تراخيص جديدة للتأجير قصير الأمد في وسط أثينا حتى نهاية عام 2027.
وتشير إيرينا رونداك، وهي وكيلة عقارات في المنطقة، إلى أن نسبة المشترين الأجانب في مبيعاتها تراجعت من 70% إلى 30% خلال العام الجاري، بفضل برامج دعم السكن للمواطنين اليونانيين والقوانين الجديدة. ومع ذلك، يظل السكان المحليون متشككين، مؤكدين أن الأضرار التي لحقت بتركيبة الحي الاجتماعية قد تحتاج لسنوات طويلة لإصلاحها، بينما تظل تكلفة الإيجارات مرتفعة فوق قدرة الكثيرين.