2026/10/17
خلف قضبان الدَّرّاس: كيف يبتكر سجناء المغرب لغة سرية للبقاء والمقاومة؟

في عوالم السجون المغلقة، حيث تفرض الظروف القاسية منطقاً خاصاً للعيش، لا يكتفي السجناء بالخضوع لقوانين المؤسسة السجنية، بل يبتكرون عالمهم الموازي الخاص بهم، والذي تتصدره لغة رمزية فريدة لا يفقه كنهها إلا من خبر تجربة الزنازين. هذا العالم هو ما يوثقه الكاتب والناشط الحقوقي أحمد حو في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان: الدَّرّاس: السجن لغة معيشة وهويّة.

لغة الشيفرة خلف الأسوار

تتجاوز اللغة السجنية كونها مجرد مصطلحات عابرة؛ فهي أداة تواصل سرية تحمي النزلاء من الوشاة وتساعدهم على الاندماج في التراتبية الاجتماعية داخل العنبر. يوضح حو، الذي قضى 16 عاماً خلف القضبان، أن مصطلح الدَّرّاس بحد ذاته يختزل مسار إعادة التشكيل القسري الذي يمر به السجين، ناقلاً إياه من حالة الجموح إلى التكيف مع واقع السجن.

الكاتب
الكاتب أحمد حو يوثق في كتابه تجربة الاعتقال من الداخل

وفي محاولة لنقل القارئ إلى قلب التجربة، اعتمد المؤلف هندسة سردية غير تقليدية؛ حيث استبدل الفصول بـالكريات (أبواب الزنازين)، والأبواب بـالكيشيات (فتحات المراقبة)، والفروع بـالراسيونات (الحاجيات المخصصة للسجين)، مما يجعل القراءة أشبه بجولة داخلية في دهاليز السجن بعيداً عن التقارير الرسمية الجافة.

هوية مشتركة: من الوشم إلى الأغنية

لا تتوقف الهوية السجنية عند حدود اللغة المحكية، بل تمتد لتشمل ممارسات تعبيرية أخرى كالأغاني والأوشام. يشير المؤلف إلى ما يسميه السجناء بـالبيضانسية، وهي أغانٍ تُنتج داخل السجون أو يتم تحوير كلماتها لتعكس هموم الحنين، وألم العزلة، والظروف المعيشية القاسية.

الكاتب
أحمد حو: السجناء يبتكرون قواعدهم الخاصة لمواجهة العزلة

ويرى حو أن الوشم أيضاً يؤدي دوراً مماثلاً، حيث يستخدمه سجناء الحق العام كرسائل مشفرة تعبر عن القوة أو المكبوتات التي يعجز اللسان عن البوح بها. وتُعد هذه الممارسات -بما فيها الأمثال الشعبية المتداولة- وسيلة للمقاومة النفسية وتدبير الوقت في عالم لا يعترف بغير لغة البقاء للأقوى.

قاموس السجن: مصطلحات لا تعرفها المحاكم

يختتم الكتاب بقاموس خاص يفكك شيفرات الحياة السجنية المغربية، حيث يخصص لكل فئة من السجناء لقباً يعكس وضعهم، مثل الباجدي للسجين المبتدئ، والهركاوي للقادم من القرى، والزقزق أو العطاي للواشي. كما يحكي الكتاب قصصاً واقعية عن الفراقشية (سارقي المواشي) والباطوات (كبار تجار المخدرات)، ليرسم صورة بانورامية للمجتمع السجني بكل تناقضاته.

إن جوهر العمل، بحسب المؤلف، هو فهم هذه الدينامية المعقدة للعمل على تصحيح أوضاع السجون وتقديم بدائل للعقوبات، بعيداً عن النظرة النمطية للنزيل ككائن معزول عن العالم.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news49705.html