2026/10/17
حين تغيب الدولة.. الجودية ملاذ اللاجئين السودانيين لفض النزاعات في دارفور والشتات

تحت سقوفٍ من القش بناها اللاجئون بأيديهم في مخيم أردمي بشرق تشاد، تتشكل ملامح نظام عدالة بديل بعيداً عن أروقة المحاكم الرسمية. هنا، يجلس 12 رجلاً في حلقة دائرية لفض نزاع بين شابين، في مشهد بات يتكرر يومياً في ظل غياب مؤسسات الدولة والشرطة والسجون عن مخيمات النازحين واللاجئين السودانيين.

هذا النظام التقليدي، المعروف بـالجودية، تحول من مجرد موروث اجتماعي إلى الملاذ الأخير لآلاف السودانيين الذين تقطعت بهم السبل جراء الحرب، حيث يمارس الأجاويد -وهم حكماء المخيم- دور القضاة والوسطاء لضمان عدم تحول الخلافات الصغيرة إلى صراعات دموية.

جلسة
النازحون السودانيون في مخيمات دارفور يلجؤون للجودية لفض نزاعاتهم بسلمية.

نظام العدالة الذاتي

يقول خليل آدم دوسة، أحد أعضاء لجنة الجودية في مخيم أردمي: لقد نجحنا في احتواء نزاع كاد أن يتحول إلى حرب بين عائلتين بسبب خلاف بسيط في السوق. نحن نعمل بلا أجر، وبلا سجلات، وبلا قوة تنفيذية؛ سلاحنا الوحيد هو ثقة الناس بنا.

من جانبه، يوضح مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور، أن انعدام المحاكم دفع النازحين لتبني مبدأ نحكم أنفسنا بأنفسنا، حيث يتم ترشيح القضاة من بين سكان المخيم أنفسهم لضمان الحياد والقبول المجتمعي.

آلية الوساطة ومحدداتها

يشير الدكتور إبراهيم سعد، باحث التراث والتاريخ في دارفور، إلى أن الجودية تعتمد على عملية تحكيم توافقية تهدف للصلح لا للعقاب، حيث تشمل الأحكام غرامات، أو خدمات مجتمعية، أو تعويضات مادية. ومع ذلك، يقر الجميع بأن هذا النظام له حدود؛ فهو عاجز عن معالجة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تتطلب محاكمات دولية وقضاءً رسمياً.

وفي مخيمات شرق تشاد، تواجه النساء تحديات إضافية؛ إذ تمنعهن التقاليد من المشاركة المباشرة في الجلسات، مما يضع قضاياهن تحت رحمة وسطاء ذكور، وهو ما تصفه الناشطة سامية آدم بأنه عدالة منقوصة لا تشفي جراح الضحايا.

جذور تاريخية

يعود تاريخ الجودية إلى نظام الإدارات الأهلية في دارفور، الذي قام على هرمية إدارية تضم السلطان، والناظر، والعمدة، والشيخ، والفرشة، وصولاً إلى الأجاويد. ورغم تقادم هذا النظام، إلا أنه أثبت مرونة عالية في احتواء النزاعات القبلية خلال العقود الماضية.

جلسة
عرف إقليم دارفور الجودية منذ القدم كآلية لحل النزاعات في إطار نظام الإدارات الأهلية.

ومع استمرار الأزمة السودانية، يظل مطلب اللاجئين ثابتاً: نريد محاكم عادلة وشفافة تخضع لرقابة الضحايا، تضمن رد الحقوق والتعويض عن الجرائم الكبرى، بينما تبقى الجودية صمام أمانٍ للحياة اليومية في مخيمات النزوح.

تم طباعة هذه الخبر من موقع السلام نيوز www.yen-news.com - رابط الخبر: http://alsalam-news.com/news49607.html