
تواجه العاصمة الفرنسية باريس أزمة حقوقية وأخلاقية حادة بعد الكشف عن اتساع نطاق الاعتداءات الجنسية داخل المدارس الحكومية، مما أدى إلى تعليق عمل عشرات المشرفين وإقرار المسؤولين بوجود ثغرات جسيمة في منظومة الرقابة وحماية الأطفال.
تشير البيانات الرسمية إلى أن مدعي باريس باشروا التحقيق في 179 ادعاءً باعتداءات جنسية وقعت داخل أروقة المدارس، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات عقابية فورية شملت تعليق عمل 74 مشرفاً من أصل 14 ألفاً و400 موظف مسؤول عن الأنشطة غير الصفية. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الموقوفين هم من العاملين في فترات الغداء والاستراحة والرعاية النهارية، ولا يشمل القرار الكوادر التعليمية، وقد أُدين بالفعل اثنان منهم قضائياً بجرائم اعتداء على قاصرين.
انطلقت شرارة التحقيقات الموسعة من مدرسة سان دومينيك وسط باريس، إثر بلاغ قدمه ولي أمر طفلة تبلغ من العمر 3 سنوات، اتهم فيه أحد العاملين بالاعتداء عليها داخل مرافق المدرسة. قادت هذه الواقعة إلى سلسلة من الشكاوى المماثلة من أولياء أمور في 3 مدارس مجاورة، مما أسفر عن استجواب السلطات لـ44 طفلاً، وتوقيف 16 موظفاً على ذمة التحقيق.
كشف تقرير برلماني عن وجود خلل بنيوي في عملية التوظيف؛ حيث تعاني المدارس من نقص في الكوادر المؤهلة بسبب تدني الأجور (نحو 870 دولاراً شهرياً) وطبيعة العمل الجزئي. هذا الوضع دفع البلديات للاعتماد على عمالة مؤقتة غير مدربة بشكل كافٍ، ودون تدقيق أمني صارم في خلفياتهم، وهو ما يمثل نحو 75% من إجمالي العاملين في أنشطة ما بعد المدرسة.
طالت التحقيقات مسؤولين كباراً في بلدية باريس، بينهم رئيس البلدية إيمانويل غريغوار وسلفه آن هيدالغو. وفي جلسة استماع برلمانية، أقر المسؤولون بوقوع إخفاق جماعي في منع مرتكبي الجرائم من الوصول إلى المدارس، مؤكدين أن المدينة بدأت في تنفيذ إصلاح عميق لمنظومة التوظيف والرقابة، بعد عقود من التحذيرات التي لم تجد طريقها للتنفيذ الكامل.
تأتي هذه الفضيحة في وقت تعيش فيه فرنسا نقاشاً وطنياً محتدماً بشأن العنف الجنسي ضد الأطفال. وتقدر تقارير لجنة مستقلة كلفها الرئيس إيمانويل ماكرون بأن نحو 160 ألف طفل يتعرضون لاعتداءات جنسية سنوياً في البلاد، وسط دعوات سياسية وبرلمانية بضرورة اتخاذ موقف حازم ينهي حالة الصمت والإنكار التي تعيق حماية الأجيال القادمة.