
للمرة الثانية في حياته، يجد الشاب التونسي جوهر الهداجي نفسه في مواجهة مصير مجهول؛ فبعد أن خاطر بحياته لإنقاذ مسنين إيطاليين من الموت حرقاً، تحول إلى مطلوب للترحيل بموجب قوانين الهجرة الصارمة التي تطبقها السلطات الإيطالية.
في مشهد وثقته عدسات الهواتف، اقتحم جوهر مع شابين تونسيين آخرين منزلاً في مدينة باتشينو بجزيرة صقلية، كانت تلتهمه ألسنة اللهب. نجح الشبان في إخراج رجلين مسنين، أحدهما طريح الفراش والآخر مقعد، من وسط الحريق في عملية وُصفت بالبطولية، مما جنّب المنطقة كارثة محققة بعد تأمين أسطوانات الغاز.
وأكد المحامي سالفاتوري دي فيدي، الذي يتولى الدفاع عن جوهر، أن موكله ساهم بشكل مباشر في إنقاذ حياة المسنين، مشيراً إلى أن لقطات الفيديو والشهادات تؤكد حجم المخاطرة التي أقدم عليها الشبان الثلاثة.
لم تكن نهاية القصة احتفاءً بالبطل، بل كانت صدمة قانونية؛ فبمجرد وصول الشرطة للتحقيق في الحادث، تبين أن جوهر لا يحمل وثائق إقامة، وأنه مشمول بقرار ترحيل صادر منذ شهر يوليو/تموز الماضي. وبدلاً من منحه تقديراً لعمله الإنساني، باشرت السلطات إجراءات احتجازه تمهيداً لترحيله إلى تونس.
ويقبع جوهر حالياً في مركز احتجاز، وسط تحركات قانونية وحقوقية مكثفة يقودها محاميه ومنظمات مدنية، تطالب السلطات الإيطالية بتفعيل المادة 42 مكرر من قانون الهجرة، التي تتيح منح تصريح إقامة لمدة عامين للأفراد الذين قاموا بأعمال استثنائية ذات قيمة مدنية كبرى.
أثارت القضية جدلاً واسعاً في الأوساط الإيطالية، حيث انضمت حركة خمس نجوم إلى المطالبين بإنصاف الشاب، مؤكدين أن الإنسانية لا تحتاج إلى جواز سفر. وفي المقابل، يرى مراقبون أن قضية جوهر تعكس توجهات الحكومة اليمينية برئاسة جورجا ميلوني، التي تضع المقاربة الأمنية والترحيل القسري فوق الاعتبارات الإنسانية.
ويشير خبراء في قضايا الهجرة إلى أن هذه الحادثة تأتي في سياق سياسات أوروبية متشددة، حيث يتم التعامل مع المهاجرين غير النظاميين كأرقام أمنية، متجاهلين المعاهدات الدولية لحماية اللاجئين وحقوق الإنسان، مما يضع مستقبل جوهر الهداجي في مهب الريح بين رد الجميل الذي يطالب به النشطاء، وبين قرار الترحيل الذي تصر عليه السلطات.