
لم تعد السيارات الحديثة مجرد وسائل للنقل، بل تحولت إلى منصات رقمية متطورة تجمع معلومات تفصيلية عن مستخدميها، بدءاً من المواقع التي يزورونها والمسافات التي يقطعونها، وصولاً إلى سرعات القيادة وطريقة استخدام المكابح والتطبيقات المتصلة بالمركبة.
ورغم أن كثيراً من هذه البيانات يُجمع لتشغيل أنظمة الملاحة والسلامة والخدمات الذكية، فإن بعضها قد ينتقل إلى شركات خارجية تعمل في مجالات الإعلان وتحليل البيانات والتأمين، دون أن يكون السائق على دراية كاملة بحجم المعلومات التي تشاركها سيارته.
تعتمد السيارات الحديثة على مجموعة من أجهزة الاستشعار والكاميرات وأنظمة الاتصال التي تتيح لها مراقبة أدائها والتواصل مع الخدمات الخارجية. وتؤدي وحدة الاتصال المثبتة داخل السيارة دوراً رئيسياً في هذه العملية، إذ تسمح بإرسال البيانات عبر الشبكات الخلوية، وتشغيل خدمات مثل طلب المساعدة في حالات الطوارئ، والتحكم عن بعد، وتحديث البرامج عبر الإنترنت.

ولا تقتصر البيانات المجمعة على المعلومات الفنية المتعلقة بالمحرك والبطارية واستهلاك الطاقة، بل تشمل سرعة القيادة والتسارع والفرملة الحادة، والموقع الجغرافي والمسارات المتكررة. وتضاف إلى ذلك بيانات تعريفية مثل رقم تعريف المركبة (VIN)، وعنوان البريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، فضلاً عن البيانات التي تصل إليها التطبيقات المرافقة.
أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة نورث إيسترن الأمريكية، بالتعاون مع مؤسسة كونسيومر ريبورتس، شملت 21 سيارة و30 تطبيقاً مرتبطاً بها، أن 19 سيارة أجرت اتصالات مع جهة خارجية واحدة على الأقل. والأكثر إثارة للقلق هو أن 28 تطبيقاً من أصل 30 اتصلت بشركات خارجية تعمل في الإعلان أو التحليلات، مع إرسال بيانات شخصية دقيقة لجهات أخرى.
تكمن حساسية هذه المعلومات في إمكانية ربطها بهوية السائق واستخدامها لتقييم أنماط القيادة، وهو ما تستفيد منه شركات التأمين لتحديد مستويات المخاطر وأقساط التأمين. وقد برزت هذه المخاوف في قضية شركة جنرال موتورز، التي حُظرت من مشاركة بيانات مواقع السائقين وسلوكهم مع وكالات التقارير الاستهلاكية، كما واجهت تسويات مالية ضخمة بسبب بيع بيانات المواقع والقيادة لوسطاء البيانات.

لا تتوقف المخاطر عند الاستغلال التجاري، بل تمتد إلى الثغرات الأمنية. ففي عام 2024، أدت مشكلة أمنية في الذراع البرمجية لمجموعة فولكس فاغن إلى تعريض بيانات نحو 800 ألف سيارة كهربائية للكشف، بما في ذلك مواقع المركبات، مما يبرز حساسية البيانات المخزنة على الخدمات السحابية غير المؤمنة بشكل كافٍ.

ومع تزايد اعتمادنا على السيارات المتصلة، تبرز دعوات لإلزام الشركات بإدراج ملصقات خصوصية واضحة توضح للمستهلك طبيعة البيانات التي تجمعها مركبته والجهات التي تتلقاها، لتصبح خصوصية السائق جزءاً أساسياً من قرار الشراء.