
تفرض الجغرافيا نفسها مجدداً على طاولة السياسة الدولية، حيث تعيد أزمات الممرات المائية والمضائق الإستراتيجية إلى الأذهان تباين نماذج إدارة القوة بين القوى العظمى. يبرز مضيق هرمز كنموذج حي لهذا التباين، حيث خضع تاريخياً لإدارتين مختلفتين: النموذج البريطاني الذي اتسم بسلاسة الملاحة، والنموذج الأمريكي الحالي الذي ارتبط بحالة من الاضطراب والتوتر.
إن محاولة فهم الدور الجديد للجغرافيا السياسية تتطلب تشريح الاختلافات الظرفية بين النموذجين، والتي ساهمت في تشكيل أنماط متباينة من الإدارة، متأثرة بالتقدم التكنولوجي، وتعقيدات الأزمات الدولية، وطبيعة القيادات السياسية.
يمكن النظر بعين الإخفاق للإدارة الأمريكية في قدرتها -بصفتها دولة قطبا- على تأمين ملاحة بحرية منتظمة للمضيق لتفادي حالة الصدمة الطاقوية التي أنشأتها الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
تستند النظريات البحرية، وفي مقدمتها نظرية الضابط الأمريكي ألفرد ماهان عام 1890، إلى أن السيطرة على العُقد البحرية تمنح الدول نفوذاً عالمياً. وبينما ركزت النظرية على النموذج البريطاني القائم على التفوق البحري الشامل، نجد اليوم أن هذا النفوذ منقسم بين إيران والولايات المتحدة، دون أن يحقق أي طرف قبضة إحكام كاملة، مما جعل المضيق حجر عثرة أمام أي تسويات سياسية.
أضحى المضيق فاعلاً مادياً في معادلة القوة، حيث أدت حالة التكلس البحري إلى اضطرابات اقتصادية عالمية، مما يستدعي -في عرف الطب السياسي- عملية إنعاش أو قسطرة إستراتيجية تعيد فتح شرايين التجارة العالمية.
في الحقبة البريطانية، كانت التكنولوجيا المساعدة بسيطة لكنها كافية لضمان انسيابية التجارة دون إثارة نزعات الاستعراض القوي لدى الأطراف الإقليمية. أما اليوم، فقد تغير الواقع كلياً؛ حيث تمتلك الولايات المتحدة أدوات سيطرة عسكرية متقدمة، بينما تستخدم إيران تكنولوجيا غير متماثلة تعتمد على المسيرات، الزوارق الموجهة بالذكاء الاصطناعي، والألغام البحرية المتطورة.
هذا التباين التكنولوجي جعل من التكنولوجيا عاملاً إيجابياً في غياب الصراعات، وسلبياً في حضورها، مما أدى إلى تعثر الإمدادات التقليدية للطاقة وفشل محاولات التهدئة.
في الحالة البريطانية، قد كان التركيز على الجغرافيا بذاتها كممرات تجارية دون طاقوية، تركز على حركة الملاحة دون أن يُختزل التركيز في هرمز كونه ممرا بحريا لمصادر الطاقة بشكل أساسي، وبالتالي لم تحدث حالة من فوضى الأسواق كما هو الحاصل الآن.
تاريخياً، اعتمدت الإدارة البريطانية على مزيج من القوة البحرية والمعاهدات (مثل هدنة عام 1853) وإشراك الفاعلين المحليين لضمان استتباب الأمن. في المقابل، وقعت القيادة الأمريكية الحالية فيما يسميه المحللون فخ سوء الإدراك (Misperception)، حيث أدت الحسابات الخاطئة لعواقب الحرب إلى زعزعة استقرار المضيق.
لقد أثبتت التجربة أن قياس القوة لم يعد مرتبطاً بحجم الأساطيل فحسب، بل بمقدار القدرة على احتواء الأزمات. فبينما نجحت بريطانيا في الحفاظ على مياه هادئة عبر أدوات متنوعة، تسببت الإدارة الأمريكية في حالة هيجان سياسي وأمني، حيث فشلت في تقدير حجم القدرات الإيرانية المعطلة للملاحة، مما أدى إلى غياب البوصلة الإستراتيجية في التعامل مع عصب الطاقة العالمي.
إن مضيق هرمز باعتباره نتاج تضاريس جغرافية، تجاوز ذلك ليكون عصبا حيويا تغذي مياهه شرايين العالم، ويحتاج حاليا لعملية قسطرة سياسية، وخضع تاريخيا لإدارتين مختلفتين بريطانية وأمريكية، أسهمت سياقات التكنولوجيا والأزمات والقيادة في تشكيل نماذج تلك الإدارات بين البريطانية ذات المياه الهادئة والأمريكية ذات المياه الهائجة.