
تفتح العقوبات الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية فصلاً جديداً من المواجهة التي تتجاوز مجرد الخلاف على الاختصاص القضائي، لتضع استقلال العدالة الدولية في اختبار وجودي أمام نفوذ واشنطن. وبينما تهدد إدارة دونالد ترمب بتفكيك المحكمة، تتصاعد التساؤلات حول قدرة القوة السياسية على تعطيل المساءلة حين تتقاطع مع مصالح الحلفاء.
ويكشف توسيع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسة ذاتها -وليس فقط أفرادها- عن استراتيجية أمريكية تهدف لرفع كلفة العمل مع المحكمة. وفي هذا السياق، يرى رئيس معهد السياسات العالمية، الدكتور باولو فون شيراخ، أن واشنطن توجه رسالة تحذيرية لكل الجهات المتعاونة مع المحكمة، محاولةً إرباك عملها اليومي وخنق قدرتها على أداء مهامها.
تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة، غير العضو في نظام روما الأساسي، تسعى لفرض أجندتها على مؤسسة أنشأتها الدول الأطراف. ويضع أستاذ تسوية الصراعات الدولية، الدكتور محمد الشرقاوي، هذه المواجهة في إطار صراع بين استقلال القضاء الدولي وإرادة القوة السياسية، مشيراً إلى أن التصعيد يرتبط بشكل مباشر بمذكرات الاعتقال الدولية التي صدرت عام 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
من جانبه، يرى الدكتور ويليام شاباس، الرئيس السابق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن الحجج الأمريكية بشأن الحصانة لا تستند إلى أساس قانوني مطلق، فالدول التي أنشأت المحكمة فوضتها ممارسة اختصاصها، وعدم انضمام دولة ما للمحكمة لا يعني بالضرورة إفلات مواطنيها من المساءلة في جميع الظروف.
ورغم الضغوط، يرى مراقبون أن تهديد واشنطن بتفكيك المحكمة يصطدم بواقع سياسي؛ فالمؤسسة تستند إلى عضوية نحو 125 دولة، مما يجعل تقويضها أمراً لا تستطيع واشنطن تحقيقه بقرار منفرد. ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة من أن العقوبات قد تعرقل الخدمات المالية والإدارية، وتخلق بيئة من الترهيب للشركات والمؤسسات التي تتعامل مع المحكمة.
وفي ظل هذا الجدل، يبرز تساؤل أوسع حول انتقائية العدالة الدولية؛ حيث يطالب البعض باتساق أكبر في تطبيق المعايير الدولية على مختلف النزاعات العالمية، مع التأكيد على أن الفصل بين النزاع السياسي والاختصاص القضائي يظل الضمانة الوحيدة لحماية مبدأ المساواة أمام القانون.