
في وقت تتسارع فيه الخطوات الدولية لفرض عقوبات على وزراء في الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، بسبب دعواتهم للتهجير القسري للفلسطينيين وضم الضفة الغربية، اختارت نيودلهي مساراً مغايراً تماماً؛ إذ استقبلت الهند وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في سبتمبر 2025، في زيارة رسمية تضمنت توقيع اتفاقيات تجارية وجولات استثمارية، متجاهلةً الإدانات الدولية التي واجهها الوزير ذاته في عواصم أوروبية عديدة.
هذا المشهد يعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الهندية منذ وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا إلى السلطة في عام 2014. فبينما كانت الهند تاريخياً واحدة من أشد الداعمين للقضية الفلسطينية، أصبحت اليوم شريكاً استراتيجياً متنامياً لإسرائيل، وتحديداً في قطاع الدفاع والتكنولوجيا، متجاوزةً بذلك مواقف دول غربية بدأت تنأى بنفسها عن سياسات بنيامين نتنياهو.
منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، تبنت حكومة مودي موقفاً داعماً لإسرائيل، حيث سارع رئيس الوزراء الهندي لإدانة الهجمات واصفاً إياها بـالإرهابية. ويرى محللون أن هذا الاصطفاف ليس عفوياً، بل هو جزء من عقيدة سياسية تربط بين أجندة هندوتفا (القومية الهندوسية) وبين الصهيونية، حيث يُنظر إلى إسرائيل كنموذج في مكافحة التشدد، وهو ما يتقاطع مع السردية السياسية لمودي في الداخل الهندي.
ويشير خبراء إلى أن التقارب الهندي-الإسرائيلي يتجاوز مجرد العلاقات الدبلوماسية ليصبح تحالفاً أمنياً واستخباراتياً عميقاً. ويقول دبلوماسيون سابقون إن التوافق بين البلدين وصل إلى مستويات تجعل نيودلهي تمتنع عن انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية في غزة أو التوسع الاستيطاني، وهو ما يفسر استمرار تدفق صادرات الأسلحة الهندية إلى إسرائيل حتى في ذروة العمليات العسكرية.
في الوقت الذي يواجه فيه نتنياهو عزلة دولية متزايدة، وتصدر بحقه مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، جاءت زيارة مودي لإسرائيل في فبراير الماضي لتعزز صورة نتنياهو دولياً. ويرى محللون سياسيون أن هذا التوجه يخدم مودي في تعزيز قاعدته الانتخابية، حيث يربط بين الإسلاموية كعدو مشترك، مما يبرر للشارع الهندي اليميني هذا التحالف العضوي مع إسرائيل.
إن هذا التحول يمثل قطيعة مع إرث الهند الذي كان يرفض التطبيع مع إسرائيل تضامناً مع الحقوق الفلسطينية. واليوم، يبدو أن البراغماتية الأمنية والمصالح الاستراتيجية قد طغت على المواقف المبدئية، مما يجعل الهند في صفٍ واحد مع إسرائيل، في تحدٍ واضح للضغوط الدولية التي تطالب بوقف الحرب والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.