
شهد الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات ونظيرتها الألمانية -التي تُعد الملاذ الآمن في منطقة اليورو- ارتفاعاً لافتاً ليصل إلى نحو 1.6 نقطة مئوية، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ 14 عاماً. هذا التطور الملحوظ دفع كبار مديري الأصول إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم تجاه الديون الفرنسية في ظل تقلبات السوق.
بدأت نبرة التفاؤل تتسلل إلى أروقة شركات إدارة الأصول؛ حيث أكد ستيف ويليامز، رئيس الدخل الثابت العالمي لدى شركة أموفا، أن الشركة أصبحت أكثر إيجابية تجاه السندات الفرنسية مقارنة بالشهر الماضي، مشيراً إلى أنه بدأ بالفعل في إعادة شراء السندات خلال يوليو بعد تقليص حيازاته سابقاً، مع ترقب فرص إضافية لزيادة الانكشاف على السوق.
من جانبه، أشار نيال سكانلون من شركة ميديولانوم إنترناشونال فندز إلى استغلال موجة البيع الأخيرة لتقليص الموقف السلبي تجاه السندات، معتبراً أن اتساع الفارق في العوائد تجاوز ما تبرره الأساسيات الاقتصادية الحقيقية.
تشير بيانات التداول إلى تحول في مزاج المستثمرين، حيث بدأ البعض في إغلاق رهاناتهم على استمرار تراجع السندات. وقد انخفض حجم العقود المفتوحة على العقود الآجلة للسندات الفرنسية بنحو 5 بالمئة مطلع الأسبوع، في واحدة من أكبر التراجعات اليومية منذ أبريل 2025، مما يعكس انحساراً في مراكز البيع على المكشوف.
على الرغم من تاريخ السندات الفرنسية كأداة دين آمنة، إلا أن الثقة تضررت بفعل تصاعد المخاوف بشأن الدين العام والعجز المالي. وزادت الضغوط مؤخراً عقب الكشف عن مشروع الموازنة الجديدة، بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات الطلابية، والضبابية السياسية التي تسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل، وسط استقطاب حاد بين اليمين واليسار المتطرف.
رغم تعهد زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بخفض العجز المالي إلى أقل من 3 بالمئة بحلول عام 2032، إلا أن المحللين يبدون تشككهم في إمكانية تنفيذ هذه الوعود، مما أبقى العوائد تحت ضغط الارتفاع. كما تبرز عقبة التقشف كعامل حاسم؛ إذ تواصل الاحتجاجات الشعبية المطالبة بزيادة الإنفاق العام، مما يجعل من الصعب على الحكومة إقناع الأسواق بجدوى الإصلاحات المالية.
يراقب المستثمرون عن كثب الفجوة بين السندات الفرنسية ونظيراتها في إيطاليا واليونان، حيث وصل الفارق بين السندات الفرنسية والإيطالية إلى أعلى مستوى له منذ عام 1992. ورغم هذه المؤشرات، يرى بعض مديري الأصول أن الأسعار الحالية باتت تعكس جزءاً كبيراً من المخاطر السياسية، مما قد يوفر هامش أمان للمستثمرين الباحثين عن فرص استثمارية طويلة الأجل، بشرط أن تنجح باريس في السيطرة على أزمة المالية العامة.