
تتراكم في الأرشيفات العربية ملايين الوثائق والمخطوطات والصحف التي نجت من التلف، لكن انتقالها من الورق إلى الشاشة لم يضمن لها الحضور في العالم الرقمي. فالحاسوب لا يزال يرى هذه الصفحات صوراً لا نصوصاً، مما يجعلها عصية على محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على البيانات القابلة للقراءة الآلية.
تكمن المعضلة في الفجوة الرقمية؛ حيث لا يكفي المسح الضوئي لحفظ المعرفة، بل يتطلب الأمر تحويل هذه الذاكرة إلى بيانات مهيكلة يمكن للآلة فهمها وفهرستها، وهو تحدٍ يزداد تعقيداً مع المخطوطات القديمة والوثائق المتضررة التي تتطلب تقنيات متقدمة للتعرف الضوئي (OCR) والتعرف على الكتابة اليدوية (HTR).
لا تتوقف عملية الرقمنة عند المسح الضوئي، بل تمتد إلى تدريب الأنظمة على التعرف على بنية النص العربي. في هذا السياق، برزت مجموعة سرد (SARD) -التي أطلقها باحثون من جامعة الأمير سلطان وأكاديمية طويق- كخطوة لسد الفجوة، حيث تضم أكثر من 2.6 مليون صورة لصفحات عربية تحاكي تخطيطات الكتب، لتكون مادة تدريبية لأنظمة الذكاء الاصطناعي.
يوضح وديع بوعليلة، مدير مختبر الروبوتات وإنترنت الأشياء بجامعة الأمير سلطان، أن الهدف من سرد كان تجاوز محدودية المجموعات السابقة التي ركزت على أحرف أو كلمات منفردة. ويؤكد بوعليلة أن النجاح في قراءة النص المطبوع لا يعني تلقائياً النجاح في قراءة المخطوطات، مشدداً على ضرورة التعاون مع المكتبات لجمع عينات حقيقية تتضمن عيوب الطباعة وتخطيطات الصفحات المعقدة.
من جانبه، يشير حمدي مبارك، المهندس الرئيسي في معهد قطر لبحوث الحوسبة، إلى أن التحدي لا يتوقف عند التعرف على الحروف، بل في استعادة هيكلية الوثيقة التي فقدت أجزاءً من بنيتها. فضعف جودة الورق، وتداخل الحروف، وغياب التشكيل، وتعدد أعمدة الصحف، كلها عوامل تعيق دقة الاستخراج.
ويحذر مبارك من خطورة تنميط الأخطاء؛ حيث إن أخطاء التعرف الضوئي (OCR) قد تنتقل إلى نماذج الذكاء الاصطناعي وتصبح جزءاً من قاعدة بياناتها، مما يؤدي إلى تشويه المعرفة التاريخية. ويضيف: لا ينبغي التعامل مع مخرجات الرقمنة كحقيقة مطلقة، بل يجب وجود مستوى من الثقة لكل مقطع ومراجعة بشرية للعينات منخفضة الجودة.
في النهاية، تتطلب رقمنة الذاكرة العربية موازنة دقيقة بين الكم والكيف؛ فلا يكفي تحويل ملايين الصفحات إلى نصوص، بل يجب ضمان أمانة النص المنقول، والحفاظ على سياقه التاريخي، والربط المستمر بين النص المستخرج والصورة الأصلية للوثيقة لضمان إمكانية التحقق منها مستقبلاً.