
شهد التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين على ريادة قطاع الذكاء الاصطناعي تحولاً جوهرياً؛ فلم يعد الصراع مقتصرًا على قوة النماذج التقنية أو الشرائح الإلكترونية فحسب، بل امتد ليشمل حرب العقول واستقطاب الكفاءات العلمية التي تقود هذا القطاع الحيوي.
في الوقت الذي تبنت فيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب سياسات أكثر صرامة تجاه توظيف الباحثين الأجانب، بما في ذلك رفع رسوم تأشيرات العمل (H-1B) بشكل حاد، اتجهت بكين لفتح أبوابها أمام المواهب الدولية من خلال استحداث منظومات تأشيرة أكثر مرونة ومنح بحثية تنافسية.
رغم التسهيلات الصينية، تشير دراسات صادرة عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن جاذبية الولايات المتحدة لا تزال قائمة؛ حيث ارتفعت نسبة العلماء من أصل صيني العاملين في الولايات المتحدة بنحو 4 نقاط مئوية خلال السنوات الأخيرة، مقابل عودة باحث واحد فقط إلى الصين من بين كل 30 باحثاً صينياً في الولايات المتحدة.
ويعزو الخبراء هذا التوجه إلى أن قرارات الانتقال المهني تتخذ غالباً بناءً على استشراف طويل الأمد للبيئة البحثية، محذرين من أن التآكل البطيء لجاذبية الولايات المتحدة قد يستغرق عقوداً ليظهر أثره الفعلي على ميزان القوى التقني.
على صعيد آخر، حققت الصين تقدماً لافتاً في تصنيف المؤسسات العلمية؛ إذ تضاعف عدد المؤسسات الصينية ضمن أفضل 30 جهة بحثية عالمية في مؤتمر نوريبس (NeurIPS). كما بدأت بكين استراتيجية جديدة تركز على اكتشاف المواهب الفذة في أعمار مبكرة، وتوفير برامج تدريب وتمويل مكثفة لطلاب المدارس الثانوية.
وفي إطار مساعيها لضمان استدامة الخبرات المحلية، فرضت الحكومة الصينية قيوداً تنظيمية على مغادرة خبراء الذكاء الاصطناعي، تزامناً مع نجاحها في استعادة بعض العقول المهاجرة عبر إغراءات وظيفية في شركاتها التكنولوجية الكبرى مثل تينسينت.
ويبقى المشهد معلقاً؛ فبينما تراهن واشنطن على استمرار زخمها التاريخي في جذب المبدعين، تحاول بكين تغيير قواعد اللعبة من خلال بناء منظومة بيئية داخلية متكاملة، وهي جهود لن تتضح نتائجها إلا مع بروز الجيل القادم من العلماء والابتكارات التقنية.