
تشهد الأسواق العالمية أزمة حادة في إمدادات الديزل، حيث يتجاوز الاختناق مجرد ارتفاع أسعار الوقود ليصل إلى نقص في المنتجات النفطية المكررة المتاحة للمستهلك، رغم استقرار إمدادات النفط الخام عالمياً. وتضع هذه الأزمة ضغوطاً تصاعدية على سلاسل الإمداد العالمية، مما يهدد بزيادة معدلات التضخم في قطاعات حيوية كالغذاء والنقل.
وتعود جذور الأزمة إلى تضرر ثلاثة مصادر رئيسية للإمدادات؛ حيث أدت الحرب إلى تقييد تدفقات المشتقات من الخليج، بينما تواصل روسيا حجب صادراتها بعد تعرض مصافيها لهجمات، إضافة إلى توقف الصين عن تصدير بعض المنتجات النفطية، في وقت تعمل فيه المصافي الغربية بأقصى طاقتها التشغيلية.
وفي هذا السياق، أكد راسل هاردي، الرئيس التنفيذي لشركة فيتول، أن الأسواق فقدت قرابة مليوني برميل يومياً من كل من روسيا والشرق الأوسط، مشيراً إلى أن السوق تواصل استنزاف المخزونات المتاحة. من جانبه، أشار مارك سين، مسؤول التجارة العالمية في فيليبس 66، إلى أن المصافي الأمريكية تعمل بالفعل عند حدودها القصوى.
على عكس البنزين، يمثل الديزل عصب العمليات الإنتاجية؛ فهو الوقود الأساسي للشاحنات، ومركبات الشحن، والجرارات الزراعية، ومعدات البناء، والمولدات الكهربائية. ويشير كريم الجندي، مدير معهد الكربون لأبحاث الطاقة والمناخ، إلى أن الديزل هو أصل رأسمالي لا يمكن استبدال مصادر طاقته بسهولة، مما يجعل أي اضطراب في إمداداته ينعكس فوراً على تكاليف الإنتاج والتشغيل.

تنتقل أزمة الديزل إلى المستهلك النهائي عبر ضريبة خفية ترفع تكلفة كل شيء، بدءاً من نقل المحاصيل الزراعية وصولاً إلى أسعار السلع في المتاجر. وتزداد حساسية الدول العربية لهذه الصدمة نتيجة اعتمادها الكبير على استيراد الغذاء، مما يجعلها عرضة لارتفاع التكاليف مرتين: الأولى عالمياً والثانية عبر فاتورة النقل المحلي.

في محاولة لاحتواء الأزمة، اتفقت مجموعة السبع على الإفراج المنسق عن 100 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن هذه الإجراءات مسكنات مؤقتة لا تعالج الخلل الهيكلي في قدرات التكرير العالمية.
ويخلص المحللون إلى أن الحل طويل الأمد يتطلب تحولاً أعمق في هيكلية الاقتصاد، من خلال تقليل الاعتماد على الديزل عبر كهربة النقل والخدمات اللوجستية والزراعة، محذرين في الوقت ذاته من أن تداعيات الأزمة الحالية قد تستمر لأكثر من أربعة فصول قادمة قبل العودة إلى مستويات الأسعار الطبيعية.