
تواجه فرنسا تحديات اقتصادية متصاعدة في ظل الارتفاع السريع لتكلفة الاقتراض، مما أثار مخاوف من تداعيات مالية قد تمتد لتشمل منطقة اليورو بأكملها. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه البلاد من عجز مزمن في الموازنة العامة، حيث لم تحقق توازناً مالياً منذ أكثر من ثلاثة عقود.
سجل الدين الفرنسي مستوى قياسياً جديداً بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، ليصل إلى 3.5955 تريليون يورو، وهو ما يمثل 119% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعود هذه الفجوة المالية إلى الارتفاع المستمر في الإنفاق العام، لا سيما في ملفات التقاعد والخدمات الاجتماعية، مما دفع جهات دولية للتحذير من قدرة باريس على الوفاء بالتزاماتها المالية.
تشهد أسواق السندات ضغوطاً غير مسبوقة؛ إذ ارتفع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات ليصل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 2002، متجاوزة بذلك الفوارق التقليدية مع السندات الألمانية التي تعتبر الملاذ الأكثر أماناً في القارة.
ويشير المحللون إلى أن اتساع الفارق في عوائد السندات بين فرنسا وألمانيا يعكس تراجع ثقة المستثمرين، وهو ما تفاقم عقب حالة عدم الاستقرار السياسي التي أعقبت إعلان الانتخابات البرلمانية المبكرة عام 2024، وما تبعها من تعاقب لرؤساء الوزراء في ظل غياب أغلبية برلمانية واضحة.
لم تعد المخاوف محصورة في الداخل الفرنسي، حيث بدأت الأسواق تنظر بسلبية متزايدة لآفاق الاقتصاد الأوروبي، وهو ما تجلى في تراجع اليورو أمام الدولار. كما لوحظ اتساع علاوات المخاطر في دول أخرى مثل إيطاليا وبلجيكا واليونان.
وتكمن الخطورة في هيكل ملكية الدين الفرنسي، حيث يمتلك المستثمرون الأجانب أكثر من نصفه، وهم أكثر ميلاً للتخارج السريع من الأصول عند اضطراب الأسواق مقارنة بالمستثمرين المحليين. وفي ظل هذه المعطيات، يظل تدخل البنك المركزي الأوروبي خياراً مطروحاً، إلا أن الإصلاحات الهيكلية المطلوبة للوضع الفرنسي تبدو معقدة للغاية في ظل الاستحقاقات السياسية والانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027.