
هذا المقال بقلم المحامي والكاتب الإماراتي، الدكتور حبيب الملا، الشريك المدير لمكتب حبيب الملا ومشاركوه. الآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب.
في عالم الطيران، كثير من قواعد الأمن والسلامة لم تُصغ ابتداءً في أروقة التشريع، بل كُتبت بعد أن كشفت كارثة عن ثغرة لم تكن منظومة الطيران تراها بوضوح.
بعد هجمات 11 سبتمبر، تغيّر مفهوم أمن الطيران جذريًا؛ إذ لم يعُد الخطر يكمُن في اختطاف الطائرة فحسب، بل في احتمال استخدامها كسلاح. وترتّب على ذلك تحصين أبواب قُمرة القيادة بموجب الملحق 6 لاتفاقية شيكاغو، لتكون مصممة لمقاومة نيران الأسلحة الخفيفة والاقتحام القسري.
ثم جاءت كارثة جيرمان وينغز (Germanwings) في 2015 لتكشف مفارقة خطيرة؛ إذ استغلّ مساعد الطيار تحصين الباب لمنع القائد من العودة للقُمرة، موجهاً الطائرة نحو الجبال. وأدى ذلك لاعتماد قاعدة وجود شخصين مخوّلين في القُمرة أثناء الطيران.
في واقعة رحلة فلاي دبي FZ1073، أعلن النائب العام الإماراتي أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عمل إرهابي واعتدائه على القائد داخل القُمرة. هذا التهديد لا يتعلق بمكان حفظ فأس الطوارئ أو غيره من الأدوات، بل يمس جوهر المشكلة: كيف ندير التهديد عندما يكون مصدره شخصاً من داخل أكثر الأماكن تحصيناً؟
يتجه القانون الدولي للطيران نحو تعزيز الإجراءات المتعلقة بالتهديد الداخلي، وهو ما أكده التعديل رقم 17 للملحق 17 الخاص بأمن الطيران في 2019، والذي ركّز على فحوص الخلفية الأمنية، وتقييم مواطن الضعف، وفحص الأشخاص من غير الركاب.
إن حادثة فلاي دبي تفرض مراجعة شاملة لا تقتصر على الجانب التقني، بل تشمل:
تُعد اتفاقية طوكيو لعام 1963 المرجع الأساسي الذي يمنح دولة تسجيل الطائرة (الإمارات في هذه الحالة) الاختصاص بالتحقيق في الجرائم التي تقع على متنها. كما توفر اتفاقيتا مونتريال (1971) ولاهاي (1970) إطاراً دولياً لملاحقة أعمال العنف والاستيلاء غير المشروع على الطائرات.
ويجب التمييز هنا بين التحقيق الجنائي الذي يبحث في المسؤولية والعقوبة، والتحقيق الفني الذي يخضع للملحق 13 لاتفاقية شيكاغو، والذي يهدف حصراً إلى منع تكرار الحادث.
إن التحدي الحقيقي للقانون ليس افتراض أن الإنسان لن ينحرف، بل بناء نظام يحتمل الخطأ والانحراف دون أن ينهار. فالأمن الكامل يظل وهماً، لأن كل منظومة تحتاج في نهايتها إلى قدر من الثقة في الإنسان، ووظيفة القانون هي منع تحول خيانة هذه الثقة إلى كارثة.