
في مشهد يجسد الإصرار على الحياة رغم قسوة الظروف، يواصل عامر، النازح من مخيم جباليا إلى مدينة غزة، تحويل ركام المنازل المدمرة إلى مقاعد مدرسية، لتكون ملاذاً للأطفال الذين اضطروا للتعلم داخل خيام ومساحات بديلة بعد تدمير معظم مدارس القطاع.
عامر، الذي كان يدير مصنعاً للرخام والديكور قبل الحرب، وجد نفسه مضطراً لاحتراف النجارة لتوفير مصدر دخل يعيل به أسرته المكونة من 8 أفراد، في ظل شح المواد الخام وارتفاع تكاليف المعيشة.
يعتمد عامر في عمله على استخراج الحديد من بين الأنقاض، حيث يمثل بديلاً أقل تكلفة من شراء مواد جديدة. وعن تحديات المهنة، يقول: نحاول الاستفادة من كل قطعة يمكن إنقاذها، لكن تكاليف مستلزمات العمل أصبحت باهظة؛ فأسعار البراغي وورق الجلخ والكهرباء ارتفعت بشكل جنوني، مما يقلص هامش الربح ويجعل استمرار الحرفة تحدياً يومياً.
منذ بدء العام الدراسي في 19 سبتمبر الماضي، يواجه آلاف الأطفال في غزة واقعاً تعليمياً مريراً، حيث تعتمد العملية التعليمية على خيام ومساحات مؤقتة. وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 495 ألف طفل يشاركون في مساحات تعلم تدعمها المنظمة وشركاؤها، بينما لا يزال قرابة 200 ألف طفل خارج أي إطار تعليمي منظم.
تعكس تقارير اليونيسف فداحة الوضع؛ حيث تضرر نحو 98 بالمئة من مباني المدارس، وباتت أكثر من 93 بالمئة منها بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة. ومع وجود نحو 60 مليون طن من الركام في القطاع، لا تقتصر المعاناة على غياب المقاعد، بل تمتد لتشمل مخاطر الذخائر غير المنفجرة التي تعيق الوصول الآمن لمراكز التعلم.
رغم كل الصعوبات، يسعى عامر لسد فجوة أساسية: توفير مقعد يجلس عليه الطفل بدلاً من الأرض. بالنسبة له، قطعة الحديد التي ينتشلها من بين الركام ليست مجرد مادة خام، بل هي خطوة أولى لاستعادة جزء من كرامة التعليم، ومصدر رزق يساعد أسرته على الصمود في وجه الحرب.