
في غضون أسابيع قليلة، عاد ملف النقاب والبرقع إلى صدارة النقاش السياسي والقانوني في عدد من الدول الأوروبية، مع توالي إجراءات وقرارات تستهدف تقييد تغطية الوجه في الأماكن العامة والمؤسسات التعليمية، مما يثير تساؤلات حول التوازن بين حرية المعتقد والسياسات الأمنية والاجتماعية.
أحدث هذه القرارات جاء من إسبانيا، حيث أقر مجلس مدينة لاردة تعديلاً على لائحة السلوك المدني يحظر ارتداء أي ملابس تخفي الوجه بالكامل في الأماكن العامة، بما في ذلك النقاب والبرقع، مع فرض غرامات تتراوح بين 400 و750 يورو، باستثناء أماكن العبادة والحالات المرتبطة بالحقوق الأساسية.
وفي البرتغال، أقر البرلمان في يوليو/تموز الماضي قانوناً يحظر تغطية الوجه، دخل حيز التنفيذ في أغسطس/آب، بفرض غرامات تصل إلى 3000 يورو. أما في إيطاليا، فقد أعلنت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني عن مرسوم حكومي يحظر ارتداء النقاب والبرقع في المدارس، ضمن سياسة تهدف إلى تعزيز ما وصفته بـالاندماج داخل النظام التعليمي.
تستند الحكومات في قراراتها إلى حجج تتعلق بالقدرة على التحقق من الهوية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، وحماية النساء من الإكراه. ومع ذلك، تواجه هذه الإجراءات معارضة حقوقية واسعة؛ حيث ترى منظمات مثل العفو الدولية أن الحظر يمثل تهديداً لحقوق الإنسان ويمس حرية التعبير والمعتقد، محذرة من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى عزل النساء بدلاً من دمجهن.
وقد أشارت الأمم المتحدة في تقارير سابقة إلى أن الحظر الشامل لتغطية الوجه يفرض أثراً غير متناسب على المسلمات، معتبرة إياه تمييزاً على أساس الجنس والدين. كما خلصت دراسات قانونية إلى أن تقييد النقاب لا يمكن تبريره إلا في حالات الضرورة القصوى المرتبطة بالسلامة العامة.
يرى مراقبون أن توقيت هذه القرارات ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لاستقطاب سياسي حاد تشهده أوروبا، حيث توظف القوى اليمينية والقومية قضايا الهوية والاندماج لاستمالة القواعد الانتخابية. وفي ظل تصاعد مظاهر التمييز ضد المسلمين، يخشى حقوقيون أن تتحول الرموز الدينية إلى أداة لترسيخ صورة الآخر في المجتمع الأوروبي، مما يفاقم من حدة الإقصاء الاجتماعي.
لا تعد هذه الإجراءات وليدة اللحظة، فقد سبقتها سلسلة من القوانين في دول أوروبية أخرى؛ حيث فرضت فرنسا حظراً عاماً عام 2010، تبعتها بلجيكا، وبلغاريا، والدانمارك، والنمسا. كما طبقت دول أخرى مثل ألمانيا وهولندا قيوداً جزئية، بينما أقر الناخبون في سويسرا حظراً وطنياً سيدخل حيز التنفيذ في عام 2025، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان نطاق هذه القيود سيتوسع ليشمل الحجاب مستقبلاً.