
لم تكن القمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ مجرد تسوية للحرب التجارية، بل كانت هدنة محسوبة منحت أكبر اقتصادين في العالم مساحة لالتقاط الأنفاس وسط ضغوط داخلية متزايدة. فبينما تعاني الصين من أزمة عقارية حادة وضعف في الطلب المحلي، تسعى الولايات المتحدة لاحتواء التضخم وتكاليف الطاقة قبيل استحقاقات سياسية هامة.
دخلت بكين المفاوضات تحت وطأة أزمة عقارية أدت إلى تراجع أسعار الشقق بشكل فاق انهيار عام 2008، مما أضر بمدخرات الأسر وإيرادات الحكومات المحلية. هذا الانكماش انعكس سلباً على الاستهلاك الداخلي، مما جعل الاقتصاد الصيني رهينة لقطاع التصدير للحفاظ على وتيرة النمو.
في المقابل، تتركز المخاوف الأمريكية حول ارتفاع كلف المعيشة وتضخم الأسعار، مما جعل واشنطن أكثر ميلاً لخفض الرسوم الجمركية على السلع الاستهلاكية لتهدئة الأسواق الداخلية.
تشير الأرقام إلى محدودية تأثير الرسوم الأمريكية؛ فبالرغم من أن متوسط التعرفة على الصين يبلغ نحو 23%، إلا أن الفائض التجاري الصيني يتجه نحو مستويات قياسية تتجاوز 1.2 تريليون دولار. يعود ذلك جزئياً إلى إعادة توجيه التجارة عبر دول ثالثة، واستمرار اعتماد الشركات على الأسواق الخارجية لتصريف فائض الإنتاج الذي يعجز الطلب المحلي الصيني عن استيعابه.
أسفرت القمة عن حزمة من التفاهمات المباشرة، أبرزها:
لا تتوقف معادلة القوة عند الرسوم؛ فالصين تحتفظ بورقة ضغط قوية عبر المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية والإلكترونية، بينما تسيطر واشنطن على سلاسل التوريد الخاصة بأكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تطوراً. هذا الاعتماد المتبادل غير المتوازن يجعل أي تصعيد شامل مخاطرة باهظة الثمن للطرفين.
على الرغم من هذه التفاهمات، تظل الهدنة مؤقتة؛ حيث أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن التهدئة ممتدة حتى 10 يناير/كانون الثاني المقبل فقط، مع ترقب لاجتماع جديد بين الزعيمين في نوفمبر/تشرين الثاني، مما يشير إلى أن القضايا الجوهرية لا تزال عالقة بانتظار جولات تفاوض أكثر تعقيداً.