
لا تواجه سوق القمح العالمية في المرحلة الراهنة أزمة نقص شامل في الحبوب بقدر ما تواجه أزمة وصول وتجارة وشحن. فرغم أن الإنتاج العالمي ما يزال عند مستويات مرتفعة تاريخياً، إلا أن تعطل تدفقات البحر الأسود، وارتفاع مخاطر الملاحة والتأمين، وتزاحم المشترين على المناشئ البديلة، كلها عوامل رفعت كلفة وصول القمح إلى الدول المستوردة.
وتشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ووزارة الزراعة الأمريكية إلى إنتاج عالمي يتراوح بين 810 و822 مليون طن لموسم 2026/2027، وهي أرقام تعكس وفرة المحصول. ومع ذلك، فإن هذه الوفرة لا تكفي لتهدئة السوق في ظل تراجع قدرة المنتجين على الشحن؛ حيث تتعامل موانئ روسيا وأوكرانيا مع 30% من صادرات القمح العالمية، وأدت التوترات الأمنية إلى تجميد أو تقليص عمليات التحميل، مما عزز الطلب على القمح الأسترالي والكندي والأوروبي والأرجنتيني.

أظهرت مؤشرات الأسعار مطلع سبتمبر/أيلول الماضي حجم التحول في السوق، حيث سجل القمح الأسترالي والكندي ارتفاعات ملحوظة نتيجة اختلاف المنشأ والجودة وتكلفة الشحن. وتشير البيانات إلى أن عروض التصدير من المصدرين الرئيسيين ارتفعت باستثناء روسيا، التي تواجه صعوبات في التصدير رغم تراكم الإمدادات لديها.
تعد روسيا وأوكرانيا موردين محوريين للشرق الأوسط وأفريقيا. وفي أوكرانيا، صارت عمليات التحميل في موانئ أوديسا وتشورنومورسك محدودة بفعل المخاطر الأمنية، بينما تعجز مسارات الدانوب عن تعويض طاقة الموانئ العميقة. أما في روسيا، فقد أدت الهجمات إلى تحويل جزء من الشحنات إلى موانئ البلطيق والقطب الشمالي، وهي بدائل محدودة الطاقة مقارنة بالموانئ الجنوبية التي كانت تستوعب أكثر من 60 مليون طن سنوياً.

لا ينتقل ارتفاع سعر القمح في البورصات العالمية تلقائياً إلى سعر الخبز، إذ تخضع العملية لسلسلة معقدة تشمل: كلفة الشحن والتأمين، سعر الصرف، رسوم الموانئ، تكاليف الطحن، وسياسات الدعم الحكومي. وفي الدول التي تدعم أسعار الخبز، يظهر الأثر أولاً في الموازنة العامة للدولة قبل أن يمس جيوب المواطنين.
تتفاوت قدرة الدول على امتصاص الصدمات، وإليك أبرز الدول المتأثرة:

